القناع والظل
من أنتِ ؟
أنتِ من تجعلينه يشعر بالحياة ،بأنه محبوب،لكن في الوقت ذاته أنتِ تذكرينه بما يُرعبه أكثر من اي شيء آخر .
تذكرينه بأنه انسان ،انسان محتاج وضعيف ككل البشر وليس إلها لايخطئ أو لايحتاج.
يكره احتياجه لك ،لأنه يضطره لمواجهة ذاته الحقيقة التي دفنها عميقا(الظل)، وهذا أصعب مايٌمكن أن يفعله انسان قضى حياته كلها يهرٌب من ظله.
حرب صامتة تدور في اعماقه ،حرب بين مايريد أن يكونه وبين ما هو عليه فعلا.
كارل يونغ سمى هذا الصراع (الأنا المزيف مقابل الذات الحقيقية)أو (القناع مقابل الظل).
فالنرجسي قناعه يريد سحق ذاته الحقيقة ،فتخيل إن شخصا يعيش وفي داخل رأسه صوتان.
الصوت الأول يصرٌخ (أنا الأفضل ،أنا الأقوى،أنا لاإخطئ)
والصوت الثاني يهمس بخفاء (أنا خائف،أنا وحيد ،أنا لا أعرف من أنا ).
لكن نقمة النرجسي ولعنته إن صوته الأول عالٍ جدا فيخرٌس الصوت الثاني عنوة.
لكن ولسوء حظه إن الصوت الثاني رغم خفوته وهمسه المرتعش إلا إنه لايموت ،بل يبقى يهمس ويهمس .
فأنتِ أيتها المسكينة حين تمنحينه حبك غير المشروط ،ذلك الحب الذي تمناه حين كان طفلا ولم يحصل عليه حقا، هذا الحب يريحه و يغذي كبرياءه .
لكن حبك يخيفه أيضا ،فحبك غير المشروط يعني أنه لم يعد بحاجه لقناعه أمامك ،يعني أن يظهر أمامك كبشر طبيعي في حالات ضعفه وجرحه وحاجته ، نزع القناع = شخص غير مثالي بل شخص طبيعي عادي ككل البشر .
فأي رعبٍ يضعه حبكِ فيه!!، أي حقيقة مرعبة قضى حياته كلها يهرب منها ستضطرينه أنتٍ لمواجهتها!!
لذا هو يريدك لكنه يكره قربكٍ في الوقت ذاته .
يقترب منكِ ثم يبتعد ، سعيد بما تمنحينه أياه لكنه يخشاه.
هو كالعطشان الذي يرى الماء الرقراق أمام عينيه ،لكن كبرياءه يمنعه من الشرب والإرتواء .
شربه للماء يمثل اعترافا بأنه كان عطشانا ،والإعتراف بالحاجة ضعف لدى النرجسي .
وأنتٍ ياعزيزتي من يدفع الثمن ،أنتٍ ساحة المعركة التي يحارب فيها هذين الصوتين داخل رأسه ،أنت المكان الذي يحارب فيه نفسه من دون أن يعلم ، هو لايعلم بشكل واع أنه يدمرك بحربه الداخلية تلك .
لأن اعترافه بما يحدث تعني مواجهة ذاته الحقيقة (الظل)، وهو لم يكن يوما ولن يكون مستعدا لهذه المواجهة مطلقا.
فأنت تُذكّرينه بجرحه الأول،جرح الطفولة، وبأن الحب يٌمكن أن يُسحب منه في اي لحظة ،وهذا مالن يدعه يحصل أبدا، لذا هو لن يتركك إلى الأبد ولن يكون معك إلى الأبد .
فأنتِ الحب الذي يشتاق له وانتِ التهديد الذي يهز صورته عن نفسه.
يحاربك ليس لأنه لايحبك بل هو لايريد أن يعترف بأنه يحبك، رغم حاجته العميقة لذلك ،لأنكٍ الدليل الوحيد الذي يدفعه لمواجهة ظله ،وهذا سيهدم كل مابناه من أناه الزائفة غير القابلة للكسر .
لكنك حين تبتعدين ،سيعود له الفراغ الذي كان يهرب منه طوال حياته ، لأنكٍ نفس الدليل الذي يٌشعره بأنه يستحق الحب .
لكن هل يعود النرجسي معتذرا نادما ؟!!
يبدو أنك تحلمين .
سيعود قطعا وبعد كل هجر وطرد لكٍ من حياته ، لكن بطرقه الخاصة ، طرق تختلف ألوانها وأنواعها ،تتناسب تماما باختلاف حالتك النفسية والعاطفية التي وضعكٍ هو فيها ،وبمنتهى الذكاء النرجسي ،سيعيدك إليه، وستدخلين بقدميك داخل اللعبة النرجسية .
كيف يحدث ذلك وبأي الطرق؟
انتظروني لنكمل معا في المقال المقبل.










