أكاد أن أشعر بتلك الغُصة التي تسكن في حلقك، أحس شعورك بمرارة الخذلان، أبكي بدموع عينيك وأنا أراك تتطلع عاجزًا نحو السماء، شاكيًا راجيًا، مفوضًا أمرك كله لله، تحاول أن تصب الماء البارد على موجات نيران غضبك لتطفئها، وتوجه بعدها لنفسك اللوم في أغلب الأحيان، تلوم رقتك وتشجب حنانك الذي سمح لصغيرك الذي كبر أن يؤلمك بنظرة أو بكلمة، تبيح له العبث بمكانتك التي منحك الله إياها.
تستعيد طريقة تنشئتك له، مسترجعًا جهدك، تلوم نفسك على مبالغتك في الرعاية والاهتمام، تتذكر لحظات ضعفه وهو أمانة بين يديك، وأنت تكافح من أجل يوم تراه فيه أملًا وحلمًا وذخرًا لك، حتى تفاجئك الأيام بأن هذه القطعة الغالية من فؤادك أسست صروحًا من أنانية جعلتها تنكر كل جميل صنعته لأجله، وأنت تقف هناك بمفردك تصارع نيابة عنه هموم هذه الأيام الثقال.
إنكَ ما زلت تعطي وهو ما زال ينتظر المزيد من العطاء. وأنتِ أيتها الأم التي تخلت عنها صحتها شيئًا فشيئًا، وقدم عمرها فنال من أمنها وسلامتها، إنكِ تعانين في صمت، تكتمين أنينك وأنتِ تراقبين من يعيشون لأنفسهم فقط، لا يذكرونك إلا قليلًا، يشاهدون مظاهر ضعفك بلا اهتمام، يتابعونها وكأنها إحدى مسلسلاتهم التي اعتادوا مشاهدتها بكل انسجام، يتجاهلون ألمك أو يباركونه وهو الذي التهم منكِ قِطعًا، يبارزونك إن سألتهم شيئًا بسيل من الأعذار، ما بين انشغال بعمل، أو بمشكلات وأصحاب رفعوهم فوق الجميع. فإن اعترضت على ذلك يتم نعتك بالمغيبة التي لا تدري شيئًا عن هذا الزمان، وبأنكِ تودين أن يعيشوا في حالة من عزلة واغتراب.
لم يُقصر يومًا نوح -عليه السلام- نبي الله، لم يدخر جهدًا في توجيه ابنه نحو الخير وكل ما يرضي عنه الله، لكن ابنه أبى وآثر العناد، استحب الكفر والعمى والضلال. لم يخطئ يومًا بلا شك، إنه من أولي العزم الذين تحملوا ما لا يطاق. إن الله سبحانه وتعالى أراد أن يريه حقيقة الأنفس، ومعنى السعادة والشقاء، إذ أسلم أمره له وحده، بعد أن عجزت كل محاولاته في الحفاظ على حياة ابنه، حتى جاء قول الله تعالى: “قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ” ليدرك حينها أن النصح والإرشاد ما كانا ليمنعا أمرًا أراده من قبل له الله. فقدر الله لا يعتمد على معطيات، لا يخضع لمطلوب، ولا ينتظر برهان.
أصعب اللحظات التي يمر بها الوالدان هي لحظة الجحود والنكران، أسوأ المشاعر التي تمر بهما أو بأحدهما هذا الحديث الممتزج بارتفاع لصوت ونهر، وإن كانت الكلمات في مضمونها ومعناها لا تحمل شرًا، تجرحهم وإن بدت لقائلها بسيطة لا تُذكر، تميتهم وهم أحياء ولو جاءت متبوعة بأسف بالغ وبملايين الاعتذارات. إن كلمة تتفوه بها لوالديك هي أثقل على صدورهم وأرواحهم من ثقل الجبال، لا تظنها هينة ستمر في الحال، ستبقى ندبة بقلبهم الذي امتلأ بالجراح السابقات، فتتحول لجحيم مستعر، لبراكين لا تكف عن الثوران.
راجعوا أنفسكم أيها الشباب وأيتها الشابات، استقوا من نبع دينكم ما يباعد بينكم وبين غضبة واحدة من أب أو أم، اتقوا شر دعوة تفتح لها أبواب السماء بلا مقدمات، حافظوا على قلوب عاشت لأجلكم، حاربت من أجل البقاء ليس حبًا فيه بقدر ما هو خوف عليكم من ألم ومرارة لحظة الفراق، انتبهوا قبل وداع دائم، عودوا لفطرتكم من قبل فوات الأوان.










