هذه المسرحية الوحيدة التي نجحت في تهشيم نخبوية عروض مسرح ما بعد الحداثة … بل نافست عروض المسرح التي تنتمي للمذاهب المختلفة وحتى عروض مسرح برودواي الجماهيرية!
قدمت في نيويورك عام ألفين وأحد عشر واستمرت حتى بداية عام ألفين وخمسة وعشرين وعلى مدى خمسة آلاف عرض … ونجح صناعها في جعلها حدثا مسرحيا غير مسبوق … جمع بين الغموض والنوار والجنون والقسوة والجمال البصري المحسوب بدقة… لتتربع على عرش عروض مسرح ما بعد الحداثة في القرن الواحد والعشرين … فهي الأشهر والأكثر تأثيرا بلا منافس حتى الآن.
هذا العمل الاستثنائي من إخراج فيليكس باريت و والكوريوغرافر ماكسين دويل ومن إنتاج فرقة ” پنش درانك ” البريطانية بالتعاون مع شركة ” إميرسڤ ” الأميركية أو ما يعرف باسم ” المسرح الغامر ” ، استطاع العمل أن يعيد تعريف العلاقة بين المكان ، والممثل ، والمتفرّج.
لم تكن مسرحية بالمعنى التقليدي ، بل عالما حيا يغمر فيه الجمهور بالكامل داخل فضاء غامض هو ” فندق ماكيتريك ” في مدينة مانهاتن … حيث يتحول المشاهد إلى شاهد صامت يتجول بين أكثر من مئة غرفة ليكتشف بنفسه فصول مأساة ماكبث لشكسبير وقد حولها صناع العرض إلى حلم سريالي متكرر.
على مدى أربعة عشر عاما متواصلة ، تجاوز عدد حضور المسرحية مليوني مشاهد … رقم لم يسجله أي عرض ينتمي إلى المسرح ما بعد الحداثي في أميركا أو العالم. لم يكن جمهور النخبة فقط هو من ملأ القاعات بل مختلف الفئات من عشاق الرقص إلى هواة السينما إلى المشاهدين العاديين الذين أثارهم العرض فضولهم فأرادوا أن يعيشوا التجربة مرة ثم عادوا إليها مرات وفي كل مرة يخرجون بمتعة جديدة مغايرة للسابقة.
أهمية ” لا مزيد من النوم ” لا تكمن فقط في أرقامه القياسية! بل في قدرته على تحويل المتفرج الذي ” أجبر على ارتداء قناع أبيض شبحي” من متلق سلبي إلى مشارك حقيقي داخل بنية العرض … حيث استبدل النص الشكسبيري بمعماره الدرامي المكتوب إلى لغة الجسد والفضاء وتم كسر حدود الزمن والسرد فيه ليصنع مخرجاه تجربة أقرب إلى الحلم أو الكابوس الجماعي.
هذا العمل نقل المسرح من خشبته التقليدية إلى الزمن الشبكي المفتوح … حيث الجمهور يتجول بحرية داخل الفندق الضخم المكون من طوابق وغرف عديدة … كل منها يحتوي على مشهد مختلف يجري في الوقت نفسه… حيث لا أحد يرى القصة كاملة ! لأن كل متفرّج يختار طريقه بنفسه … ما يجعل كل واحد منهم يخرج بتجربته الخاصة وسلسلة مشاهده المختلفة التي يراها تشكل نسخته الفردية من القصة.
العرض تجاوز حدود المسرح التجريبي الذي بقي حكراً على النخبة ! ليصبح ظاهرة جماهيرية عالمية من دون أن يتنازل عن عمقه الفني أو جرأته المفاهيمية.
ليس غريبا أن يوصف عرض ” لا مزيد من النوم ” بأنه العمل الذي غير مفهوم المشاهدة المسرحية ، ليبقى بعد توقفه المرجع الأهم لعروض ما بعد الحداثة التي تحلم بأن تبلغ صدى جماهيريا مماثلا لكنها لم تفعل بعد










