منذ أن رفعت بعض الجماعات النسوية شعار “تحرير المرأة”، دخلت الأنوثة في أخطر مرحلة من تاريخها النفسي
وهي مرحلة الانفصال عن المعنى. حيث لم يعد التحرر يُقاس بقدرتها على التفكير أو الفعل أو الموقف، بل بمدى تمردها على كل ما يربطها بالماضي، حتى ولو كان ذلك الماضي هو ما يمنحها توازنها الإنساني.
حيث خرجت الأنوثة المدللة من عباءة القهر الاجتماعي لتدخل في عباءة أكثر بريقًا وأشد قسوة: عباءة الحرية الشكلية. فبينما ظنت أنها كسرت القيد، كانت تستبدله بقيدٍ من نوعٍ آخر قيد السوق، وقيد الإعجاب، وقيد الاستعراض الذي لا يرحم.
وهنا يتضح ان فكرة التحرر تحولت من معنى وجودي إلى إيقاع استهلاكي، ومن دعوة للوعي إلى سباق للظهور.
حيث صارت الأنثى المدللة تؤمن أن خلاصها يكمن في خلع كل رموز الانتماء، حتى غدت مكشوفةً أمام ذاتها قبل الآخرين.
فلم تعد تخاف من القيد، بل صارت تخاف من العمق. لم تعد تبحث عن الحق، بل عن التصفيق.
وبالتالي في سعيها لتكون “حرّة”، نسيت أن الحرية ليست نقيض الحياء، بل نقيض الاستعباد.
وأن من تتحرر من كل قيد، تفقد في النهاية القدرة على الإمساك بشيء.
لقد تحررت من الغطاء المادي، لكنها علّقت وعيها على مشجب الإعجاب، تُقاس قيمتها بما يُقال عنها لا بما تكونه حقًّا.
وهنا اصبحت الأنوثة المدللة اليوم لا تُحارب التقاليد بقدر ما تُعيد إنتاجها في صورة جديدة، أكثر خفة وأكثر فراغًا. فهي لا تخلع الرموز القديمة إلا لتلبس رموزًا أخرى
من عبودية السلطة إلى عبودية الرغبة، ومن وصاية الأب إلى وصاية المتابعين. إنها تسير بخطوات واثقة نحو الضوء، لكنها لا تدرك أن ذلك الضوء مجرد واجهة نيون لفراغ داخلي متضخم.










