العدالة الاجتماعية هي مبادئ مجتمعية تضمن المساواة في الحقوق والفرص، بينما يشير التمكين المتكافئ إلى منح الأفراد والجماعات الأدوات والموارد اللازمة للمشاركة الكاملة في المجتمع، مما يضمن عدم استبعاد أي فرد بسبب ظروفه الاجتماعية. يتداخل المفهومان لإنشاء مجتمع شامل وعادل يدعم الأفراد لتحقيق إمكانياتهم الكاملة .
لا تنهض الأمم على المال وحده، ولا تستقيم حضاراتها على نمو صناعي فقط، بل تستوجب التنمية الحقة أن تمسّ حياة الناس في عمقها الإنساني، حيث الكرامة، والتكافؤ، والعدالة الاجتماعية؛ ولذلك يغدو البعد الاجتماعي في مسار التنمية المستدامة أشبه بالوتر الخفي الذي يُنسج منه النسيج الوطني المتماسك. وفي مصر -حيث تتداخل تحوُّلات الحاضر بطموحات المستقبل- تزداد الحاجة إلى ترسيخ هذا البُعد؛ لأنه دعامة تُفضي إلى استقرار عادل ونمو شامل يطال الجميع دون إقصاء أو تهميش، بما يحقق العدالة الاجتماعية في جميع صورها.
ومن هذا المنطلق تسعى حماة الأرض إلى إلقاء الضوء عل أبرز جهود مصر في مجال تحقيق العدالة الاجتماعية، بما يجلي أهمية البعد الاجتماعي في أهداف التنمية المستدامة.
يركز هذا البعد على رفاهية الإنسان والعدالة الاجتماعية، ويهدف إلى تحقيق مجتمعات عادلة ومنصفة وشاملة، حيث يتمتع جميع الأفراد بفرص متساوية للوصول إلى الخدمات الأساسية، مثل التعليم الجيد، والصحة، والعيش بكرامة، والمشاركة الكاملة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ويشمل هذا البعد قضايا مثل القضاء على الفقر والجوع، تعزيز المساواة بين الجنسين، توفير التعليم الجيد، الرعاية التُعد العدالة مطلبا أساسيا للإنسان فى كل زمان ومكان، كما تعتبر الفضيلة الأولى للإنسان وللمجتمعات التى يعيش فيها ..فإذا تحققت العدالة تزدهر الفضائل الأخرى كالسعادة والمساواة والرضا وحب الخير والسلام.
وتجدر الإشارة إلى أن بداية استخدام مصطلح ” العدالة الاجتماعية ” يعود إلى الثورة الفرنسية ، حيث أكدت باريس على حقوق الأشخاص فى التمتع بهذه العدالة وضرورة تقسيم الثروة مع التخلص من الحكم الإقطاعى ، ثم استمر هذا التعبير مع وضع عدد من التعريفات له اختلفت باختلاف الحقب الزمنية خلال الثورة الصناعية فى أوروبا فى القرن الثامن عشر مع معاناة طبقة العمال من قسوة النظام الرأسمالى.
ومع تطور المجتمعات البشرية، تبلور مفهوم العدالة الاجتماعية، وجاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذى اُعتمد بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة فى 10 ديسمبر 1948 حيث أرسى المبادىء الإنسانية للعدالة الاجتماعية فى مادته الأولى والثانية، وقامت منظمة العمل الدولية بصياغة دستورها الذى وضعت فى مقدمته أنه ” لا يمكن تحقيق السلام إلا إذا كان قائما على العدالة الاجتماعية “، ثم ظهر هذا المصطلح بعد ذلك فى العهد الدولى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الصادر عن الأمم المتحدة فى ديسمبر 1966 ودخل حيز التنفيذ فى عام 1976، لتصبح فكرة العدالة الاجتماعية هى الفكرة التى يتبناها أى مجتمع يسعى لتحقيق التقدم والتنمية وتوفير حياة كريمة لأفراده يسودها الأمن والسلام. ويؤكد عدد من علماء الاجتماع على أن مفهوم العدالة الاجتماعية يعنى إيجاد منظومة فكرية، ومنهج أخلاقي، وأحكام تشريعية، تضمن لجميع الأشخاص المساواة التامة أمام القانون والحصول على جميع الحقوق، فيما يرى علماء آخرون أن العدالة الاجتماعية هى استحقاق أساسى للإنسان نابع من كونه له الحق في التمتع بمجموعة من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية باعتبارها حقوقا أساسية من حقوق الإنسان وجزءا لا يتجزأ منها.
كما يرى خبراء الاجتماع أن العدالة الاجتماعية ليس المقصود بها تلطيف آثار الفقر أو الحرمان، بل يقصد بها المواجهة الشاملة للفقر والحرمان بتهيئة الظروف للأفراد كي يغيروا من حياتهم للأفضل بتوفير كافة الخدمات من تعليم وصحة وسكن وغيرها من الخدمات.
وفى هذا الإطار يؤكد خبراء الاجتماع أن العدالة الاجتماعية هى رؤية للحياة تتأسس على مبادىء عامة أهمها: مبدأ المساواة فى الحقوق والواجبات دون تمييز بسبب الدين أو الجنس أو العرق، ومبدأ إتاحة الفرص والحريات للجميع على قدم المساواة فالعدالة الاجتماعية هي العمود الفقرى للمجتمع المستقر.
ولهذا، يمكن القول بأن العدالة الاجتماعية نظام يهدف إلى إزالة الفوارق الاجتماعية والاقتصادية الكبيرة بين طبقات المجتمع، وضمان تعاون الأفراد فى مجتمع متحد يحصل فيه كل فرد على فرص متساوية وفعلية.
ومن هذا المنطلق أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة فى نوفمبر 2007 أنه اعتبارا من الدورة الثالثة والستين للجمعية العامة، تقرر إعلان الاحتفال سنويا بيوم 20 فبراير بوصفه اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، مؤكدة أن العدالة الاجتماعية تُسهم في تحسين أداء المجتمعات والاقتصادات وتحد من الفقر وأوجه غياب المساواة وتخفف التوترات الاجتماعية كما تضطلع بدور هام في رسم مسارات أكثر شمولا واستدامة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية وهى قيم أساسية لتحقيق أهداف خطة التنمية المستدامة 2030.
تناولت الدساتير المصرية المتعاقبة موضوع العدالة الاجتماعية ونصت عليها بطريقة أو بأخرى ابتداء من دستور 1923 وحتى دستور 2014، إلا أن الأخير جاءت نصوصه لتُسلط الضوء على مفهوم العدالة الاجتماعية بشكل غير مسبوق، وتفرض الإلزام الصريح على الدولة بتحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير سبل التكافل الاجتماعي بما يضمن الحياة الكريمة لجميع المواطنين، وحقهم فى التعليم والصحة والمساواة فى الحقوق والواجبات وذلك على النحو التالي:
-تنص المادة 8 من الدستور على أنه “يقوم المجتمع على التضامن الاجتماعي ،وتلتزم الدولة بتحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير سبل التكافل الاجتماعي، بما يضمن الحياة الكريمة لجميع المواطنين، علي النحو الذي ينظمه القانون”.
-تنص المادة 9 على أنه ” تلتزم الدولة بتحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، دون تمييز”، والمادة 11 على أنه ” تكفل الدولة تحقيق المساواة بين المرأة والرجل فى جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفقا لأحكام الدستور، كما تلتزم بتوفير الرعاية والحماية للأمومة والطفولة والمرأة المعيلة والمسنة والنساء الأشد احتياجا”.
– ينص الدستور فى المادة 13 على أنه “تلتزم الدولة بالحفاظ علي حقوق العمال”. وفى المادة 17 على أنه ” تكفل الدولة توفير خدمات التأمين الاجتماعى، ولكل مواطن لا يتمتع بنظام التأمين الاجتماعى الحق فى الضمان الاجتماعى، بما يضمن له حياة كريمة، إذا لم يكن قادرًا على إعالة نفسه وأسرته، وفى حالات العجز عن العمل والشيخوخة والبطالة، وتعمل الدولة على توفير معاش مناسب لصغار الفلاحين، والعمال الزراعيين والصيادين، والعمالة غير المنتظمة”.
– فيما يتعلق بتوفير الرعاية الصحية ، ينص الدستور فى المادة 18 على أنه ” لكل مواطن الحق فى الصحة وفي الرعاية الصحية المتكاملة وفقاً لمعايير الجودة، وتكفل الدولة الحفاظ على مرافق الخدمات الصحية العامة التى تقدم خدماتها للشعب ودعمها والعمل على رفع كفاءتها وانتشارها الجغرافى العادل. – كذلك حرص الدستور على ضمان حق كل المصريين فى التعليم فينص فى المادة 19 على أن “التعليم حق لكل مواطن، هدفه بناء الشخصية المصرية، والحفاظ على الهوية الوطنية، والتعليم إلزامى حتى نهاية المرحلة الثانوية أو ما يعادلها، وتكفل الدولة مجانيته بمراحله المختلفة في مؤسسات الدولة التعليمية”.– كما نص الدستور فى المادة 29 على أن ” تلتزم الدولة بتنمية الريف ورفع مستوى معيشة سكانه وحمايتهم من المخاطر البيئية، وتعمل على تنمية الإنتاج الزراعي والحيواني، وتشجيع الصناعات التي تقوم عليهما”. -وينص الدستور فى المادة 30 على أن ” تلتزم الدولة بحماية الثروة السمكية وحماية ودعم الصيادين، وتمكينهم من مزاولة أعمالهم دون إلحاق الضرر بالنظم البيئية”.
-كما قرر الدستور فيما يتعلق بحق السكن فى المادة 78 أن “تكفل الدولة للمواطنين الحق فى المسكن الملائم والأمن الصحي، بما يحفظ الكرامة الإنسانية ويحقق العدالة الاجتماعية، كما تلتزم الدولة بوضع خطة شاملة لمواجهة مشكلة العشوائيات تشمل إعادة التخطيط وتوفير البنية الأساسية والمرافق، وتحسين نوعية الحياة والصحة العامة”.
شرعت الجمهورية الجديدة فى بناء نظام اجتماعى قوى يقوم على المساواة وعدم التمييز والتوزيع العادل للثروة والقضاء على الفقر وضمان سيادة القانون فضلا عن تعزيز الحقوق الاجتماعية والاقتصادية لكل المصريين .
بدأت الدولة المصرية إجراءات تحقيق العدالة الاجتماعية بإطار تشريعي ودستوري غير مسبوق فى تاريخها كما سبق وذكرنا. وأسهم فى تحقيق هذه الغايات وعى القيادة السياسية التى دعمت هذه الإجراءات والاتجاهات وتحملت مسئولياتها بكل شجاعة تجاه الشعب المصري والعمل على تحقيق تطلعاته.
نجحت الدولة المصرية فى أن تحقق مركزا متقدما وأن تكون ضمن أكثر الدول إنفاقا على برامج الحماية الاجتماعية كنسبة من الناتج المحلى الإجمالي والأولى عربيا وإفريقيا، وهى فى ذلك تقع فى نفس المرتبة مع الدول الكبرى كروسيا والولايات المتحدة الأمريكية واستراليا والبرازيل والأرجنتين ومتقدمة على دول كبرى أخرى فى مجال الإنفاق على برامج الحماية الاجتماعية كالصين وكندا والسعودية.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










