يتقدّم العالم نحو منعطف تاريخي قد يغيّر شكل الحياة كما عرفناها. فالروبوتات والذكاء الاصطناعي لم تعد أدوات جانبية في الاقتصاد، بل أصبحت الأساس الجديد الذي تُبنى عليه قطاعات كاملة من العمل والإنتاج. ومع هذا التحول المذهل، ينبثق سؤال جوهري: هل نحن مقبلون على عصر يُنهي الفقر فعلاً، أم على فجوة اجتماعية أشد عمقًا مما أنتجته الرأسمالية نفسها؟
تَعِد الروبوتات بمرحلة من الوفرة لم يعرفها الإنسان من قبل. فالآلة لا تتعب، ولا تحتاج إلى إجازة، وتعمل بدقة ثابتة طوال الوقت، ما يجعل السلع والخدمات أرخص وأكثر انتشارًا. في النظريات الاقتصادية، من شأن هذه الوفرة أن تُقلّل الفقر إلى أدنى مستوياته، وربما تُلغيه تمامًا إذا أصبحت تكاليف العيش منخفضة بشكل جذري. لكن هذه الصورة الوردية تصطدم بواقع يقول إن الإنتاج وحده لا يبني العدالة… بل طريقة توزيع هذا الإنتاج.
المشكلة ليست في الروبوت نفسه، بل فيمن يملكه. فإذا بقيت التقنيات المتقدمة محصورة في يد شركات أو دول بعينها، فلن يستفيد الجميع من وفرتها. عندها ستظهر طبقة تملك مفاتيح الآلة وطبقة أخرى تعتمد على ما يُمنح لها منها. ومع اختفاء كثير من الوظائف التي كانت تمثّل مصدر رزق الملايين، قد يتحول الفقير إلى متلقٍّ يعتمد على نظام لا يملك التأثير فيه، بينما يتضاعف نفوذ من يمتلك القدرة التقنية. وهكذا تُعاد صياغة الفجوة الطبقية بشكل جديد أكثر قسوة.
وحتى نفهم ما قد يحدث، علينا أن نعود إلى العقود الماضية حين توسعت الرأسمالية وفرضت سيطرتها على العالم. كانت المنتجات الغربية حكرًا على الأغنياء وحدهم. التكنولوجيا، الأجهزة الشخصية، الأدوات المنزلية… كلها كانت بعيدة عن متناول الفقير الذي كان مجرد مشاهد لعالم لا ينتمي إليه. ومع الوقت، كبرت الفجوة حتى بات الاستهلاك نفسه معرفًا للطبقة الاجتماعية. لقد خلق الاقتصاد وفرة، لكنه خلق معها عزلة للطبقات الضعيفة.
لم يبدأ التوازن إلا عندما دخلت الصين وكوريا الجنوبية إلى الساحة الصناعية بقوة. قدّمتا منتجات منخفضة التكلفة أتاحت للفقراء فرصة الاندماج في الاقتصاد العالمي. ومن هواتف رخيصة إلى أجهزة منزلية ميسّرة، استطاع الملايين حول العالم امتلاك أدوات كانت يومًا ما حلمًا بعيدًا. ولولا هذا الدور، لكانت الفجوة الاجتماعية اليوم أكبر بكثير، ولكانت الرأسمالية قد ابتلعت ما تبقى من الطبقة الوسطى.
اليوم نقف على أعتاب مشهد مشابه تمامًا. هل ستتمكّن دول جديدة من دخول سباق الروبوتات كما دخلت سباق الإلكترونيات؟ هل ستُنتج الروبوتات بأسعار معقولة تسمح بتوازن عالمي، أم ستظل حكرًا على عدد محدود من الجهات التي ستتحكم بمستقبل العمل والإنتاج؟
إذا تكرر السيناريو كما حدث في آسيا قبل سنوات، قد تتحقق العدالة المطلوبة. أما إذا بقيت التكنولوجيا محتكرة، فسندخل عصرًا جديدًا من التفاوت الاقتصادي غير القابل للتدارك.
الروبوتات قد تبني عالمًا مزدهرًا، لكن ازدهارها وحده لا يكفي. الوفرة قد تزيد الفجوة كما قد تقلّلها، وكل شيء يتوقف على عدالة الوصول إلى التكنولوجيا. فإما أن تصبح الروبوتات أداة لتحرير الإنسان من الفقر، وإما أن تتحول إلى رمز لطبقية جديدة تقوم على العقل الصناعي بدل رأس المال التقليدي.
الخشية ليست في التطور الهائل في صناعة الروبوتات، بل من أن يحتكرها البعض. فالتكنولوجيا قادرة على صناعة مستقبل بلا فقر، لكنها قادرة كذلك على تشكيل أكبر فجوة عرفتها البشرية. بين هذين المصيرين يقف العالم الآن، يحبس أنفاسه منتظراً من سيمتلك مفاتيح القوة الجديدة.










