في النحو العربي، الأصل أن يأتي المفعول به بعد الفاعل، غير أنّ اللغة، وهي مرآة الفكر، سمحت بتقديم المفعول به أحيانًا جوازًا أو وجوبًا، كأنما تُعطيه لحظة تمرّدٍ على نظام الجملة، حين تقتضي البلاغة أو المقام أن يصرخ المتأثر قبل المؤثر، أو أن يسبق الجرح السيف.
وهكذا صارت هذه القاعدة النحوية، في زمننا العربي، صورةً مكثفةً للواقع الذي نعيشه؛ فقد تقدّم المفعول به على الفاعل في حياتنا العامة، وصار من يُفترض أنه المتلقي للقرار هو من يتحمّل تبعاته قبل أن يُسأل عن رأيه فيه، ومن يُفترض أنه صاحب القرار في العقد الاجتماعي أصبح المفعول به الدائم في المعادلة ، بينما الفاعل “صانع القرار” غاب أو اختبأ خلف ستارٍ من المجهول.
كانت الأمة ذات زمن فاعلةً في التاريخ، تُقرّر وتبني وتبدع، أما اليوم فقد أصبح التاريخ يُكتَب عنها لا بها، وأصبحت تُجرّ إلى أفعالٍ لم تُقرّرها، وتُحمَّل نتائج لم تشارك في صناعتها. هكذا، تقدّم المفعول به العربي على الفاعل الحقيقي، لا لجمال المقام، بل لاضطراب المنطق.
والأدهى أن الفعل نفسه – أي الحدث أو القرار أو الاتجاه – بات يأتي أحيانًا بعد المفعول والفاعل معًا، وكأن الأمة أصبحت تسبق فعلها دون أن تدركه. فأصبحت رد فعل لا فعل،تسبق الكوارث والنكبات بالتصريحات لا بالإصلاح، كمن يصرخ قبل أن يُصاب، أو يعلن موقفًا قبل أن يفهم القضية.
لقد انقلب ترتيب الجملة العربية في واقعنا، فانقلب معها ترتيب التاريخ. صرنا نبدأ بالمفعول: بالشعب، بالضحايا، بالمقهورين، ثم نبحث عن فاعلٍ غائبٍ أو مجهولٍ أو منسوبٍ إلى “الظروف”، ثم يأتي الفعل في آخر المشهد – فعلٌ بلا إرادة، كأنه مجرد نتيجة لا قرار.
ما نحتاجه اليوم هو إعادة ضبط الجملة العربية الكبرى: جملة الأمة؛ أن يعود الفاعل إلى موضعه الطبيعي، أن يكون الشعب هو من يصنع فعله لا ان يكون في مقام المفعول به ، وأن يُكتب التاريخ من الداخل لا من الخارج، وأن تستعيد الأمة فاعليتها قبل أن تفقد قدرتها حتى على أن تكون مفعولًا به.
فاللغة ليست نحوًا فقط، بل فكرٌ وترتيب للعالم. ومن أراد أن يُصلح حال الأمة، فليُعد ترتيب جملتها.










