يعد نزع السلاح في لبنان قضية محورية لتحقيق الاستقرار المستدام وسيادة الدولة، وقد شهد عام 2025 تطورات بارزة في هذا الصدد: إنّ الدفع الخارجي نحو نزع سلاح حزب الله يكشف عن أزمة أعمق تتعلّق بسيادة الدولة، إذ تفتقر مؤسّساتها إلى الشرعية والقدرة المؤسّسية والثقة العامّة التي تمكّنها من استعادة احتكار استخدام القوّة من دون المخاطرة بزعزعة الاستقرار أو التسبّب بردود فعل طائفية.
التطورات السياسية والأمنية لعام 2025
خطة حصر السلاح: قدم قائد الجيش اللبناني، العماد رودولف هيكل، خطة “درع الوطن” الرامية لحصر السلاح غير الشرعي بيد الدولة.
موافقة الحكومة: وافقت الحكومة اللبنانية في سبتمبر 2025 على خطة لنزع السلاح، وأعلن وزير الخارجية يوسف رجي أن المرحلة الأولى (جنوب الليطاني) ستكتمل بنهاية نوفمبر 2025، تليها مراحل تشمل بيروت والبقاع.
الدعم الدولي: يحظى هذا التوجه بتأييد واسع من الولايات المتحدة وفرنسا، مع وجود نقاشات دولية لتمديد مهلة نزع السلاح المقررة أصلاً حتى نهاية 2025 لضمان تنفيذها.
الموقف الإسرائيلي: ربطت إسرائيل استكمال انسحابها من المناطق المحتلة في الجنوب (المقرر نهائياً في 18 فبراير 2025) بتحقيق تقدم ملموس في نزع سلاح حزب الله، معتبرة إياه خطوة أساسية لاستعادة سيادة لبنان.
الأهداف المرجوة للاستقرار
بناء الدولة: يُنظر لنزع السلاح كشرط لإقامة دولة كاملة الصلاحيات وتحييد الجماعات المسلحة عن صناعة القرار السيادي.
منع الاعتداءات: ترى أطراف لبنانية ودولية أن سحب السلاح يزيل الذرائع للاعتداءات الإسرائيلية المتكررة ويؤمن الاستقرار على الحدود.
تجنب الفوضى: تسعى الخطة العسكرية لمنع الانزلاق نحو صدام داخلي من خلال استيعاب القوى المسلحة ضمن صيغة وطنية.
التحديات القائمة
الانقسام الداخلي: يواجه هذا المسعى معارضة من “الثنائي” (حزب الله وحركة أمل)، مما يعقد التوافق السياسي على التنفيذ.
تفاوت القوة: لا تزال القوة العسكرية لحزب الله توصف بأنها تفوق قدرات الجيش اللبناني من حيث التسليح والخبرة، مما يجعل النزع القسري مخاطرة أمنية كبيرة.
هشاشة وقف النار: يظل وقف إطلاق النار مهدداً مع استمرار وجود السلاح خارج إطار الدولة واستمرار العمليات التكتيكية الإسرائيلية على الحدود.
السيادة الحقيقية نادراً ما تُوهب بمجرّد توقيع، بل هي تنبع من ثلاثة أسس مترابطة: حصرية القوة بشكل فعال من قبل الدولة؛ ومؤسّسات قادرة على الوفاء بالتزاماتها وذات ملاءة مالية؛ وشرعية كافية لربط المكوّنات المجتمعية بالدولة. يفتقر لبنان إلى هذه الأسس الثلاثة. وبدلاً من أن تكون السياسيات نابعة من قرار سيادي داخلي، باتت تٌدفع بفعل الضغوط الخارجية، ما يحوّل الدولة من فاعلٍ سيادي إلى أداة تدار من الخارج.
وينطوي هذا المسار على مخاطر حقيقية. فإذا أقدمت الدولة على محاولة نزع سلاح حزب الله قبل إعادة بناء حضورها الإداري، واستعادة استقرار الخدمات العامة، واسترجاع استقلاليتها المالية، فإنّها تخاطر بحدوث قطيعة أكبر مع المواطنين وتفجير ردود فعل طائفية قد تعمّق هشاشتها. وعليه، لا يكمن السؤال الحقيقي في من يحمل السلاح فحسب، بل في من يمتلك الشرعية.
يعيش لبنان في بيئة أمنية شديدة الهشاشة. فقد أدّى العدوان الإسرائيلي في العام 2024 إلى مقتل الآلاف، ونزوح أكثر من مليون شخص، وتسبّب بأضرار هائلة بالبنية التحتية تقدّر بمليارات الدولارات. ولم ينجح وقف إطلاق النار الذي أُعلن في أواخر نوفمبر في وضع حدّ للاعتداءات الإسرائيلية، إذ لا تزال الجبهة الجنوبية متوترة وتشهد عمليات اغتيال إسرائيلية متكرّرة. أمّا إلى الشرق، فلم يؤدٍ انهيار نظام الأسد في سوريا في ديسمبر إلى استقرار الحدود، حيث تواصل الجماعات المسلّحة نشاطها واشتباكاتها في مناطق ضعيفة الحوكمة، فيما تزدهر شبكات التهريب بلا رادع.
داخل لبنان، لا يزال حزب الله مزوّداً قوياً وموازياً للأمن والخدمات، وخصوصاً في المناطق التي يتراجع فيها حضور الدولة. وعلى الصعيد الخارجي، باتت المساعدات العسكرية الحيوية مشروطة على نحو متزايد بتوقّعات بأن تعمل بيروت علي «احتواء» حزب الله والحدّ من النفوذ الإيراني. وعلى امتداد هذه الجبهات، لم يعد السؤال هو ما إذا كانت الحكومة ترغب في التحرّك، بل ما إذا كانت قادرة على ذلك بصورة مستقلّة وموثوقة ومن دون جرّ البلاد إلى دوّامة جديدة من عدم الاستقرار.
يحتل الجيش اللبناني موقعاً محورياً في قلب هذه التوقّعات، فهو من بين المؤسّسات القليلة التي لا يزال يُنظر إليها كجسم جامع لمختلف الطوائف، وقد نجح في لحظات حرجة في منع انهيار الدولة بالكامل. غير أنّ صلاحياته وموارده ليستا على مستوى التحدّي. وفي الواقع تُستنزف معظم ميزانية الدفاع لعام 2025، والبالغة 800 مليون دولار فقط، في الرواتب والعمليات الأساسية، ولا يبقى بعد ذلك سوى القليل جداً للتدريب أو الصيانة أو التحديث. ويظلّ لبنان متأخراً كثيراً عن نظرائه الإقليميين من حيث الإنفاق العسكري لكل جندي أو لكل فرد.
ويُضاف إلى ذلك اعتماد الجيش اللبناني على الشركاء الخارجيين للحصول على الوقود وقطع الغيار وجزء كبير من لوجستياته. وهو ما يضيّق خياراته الإستراتيجية ويضاعف المخاطر السياسية: فأيّ خطة أمنية يعتمد تطبيقها على شريان إمداد خارجي يمكن إعادة صياغتها، أو حتى سحبها، وفق أولويات جهات فاعلة لا تتطابق مع أولويات لبنان.
إن دفع مؤسّسة منهكة على هذا النحو إلى تنفيذ عملية واسعة لنزع سلاح الفاعلين غير الحكوميين ينطوي على احتمالين خطيرين للفشل: إذا عجز الجيش عملياتياً سيتفاقم السخط الشعبي؛ وإذا تجاوز قدراته الواقعية سيدخل في مواجهة لا تملك الدولة مقومات إدارتها. وفي كلتا الحالتين، يضمحل هدف إقامة سلطة موحّدة وفاعلة.
عانى لبنان طويلاً بوصفه ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، ما دفع بعض المراقبين إلى الدعوة إلى تبنّي الحياد كوسيلة للابتعاد عن التشابكات الإقليمية والتعبير بصورة أفضل عن طبيعة المجتمع اللبناني التعدّدية. غير أنّ الحياد لا يُعلَن بجرّة قلم، بل يحتاج إلى تمويل وتطبيق فعلي وتبنٍ صادق. فالدول التي تنجح في إرسائه تستثمر في الدفاع والدبلوماسية، وتضفي الطابع الاحترافي على أجهزتها الأمنية، وتبني ثقة عامة تمنحها سلطة واسعة. أمّا لبنان، فيفتقر إلى القوة المالية، والعمق المؤسّسي، والتماسك السياسي اللازم لدعم موقف مماثل. وفي هذا السياق، قد تتحوّل الدعوات إلى الحياد إلى تحييد، أيّ إلى موقف يُخفي خضوعاً لقوى خارجية بدل أن يعكس مسافة سيادية حقيقية. يتطلّب الحياد الجادّ تحولاً بنيوياً في المؤسّسات والموارد المالية والقبول الإقليمي، وكلّها غير متوافرة، وإلّا بات الحياد شعاراً يحجب العمل الشاق المطلوب لإعادة بناء قدرات الدولة.
قبل أن تتمكّن الدولة اللبنانية من الشروع فعلياً في نزع سلاح الميليشيات، لا بدّ أن تستعيد شرعيتها. يدعم المواطنون الدولة عندما يحصلون منها على الحماية والخدمات من دون وساطة حزبية. ويتطلّب ذلك سياسات تُضعف شبكات الزبائنية الطائفية، وقضاءً يكرّس المساواة، وإدارة عامة قائمة على الكفاءة لا على المحسوبيات. وستظهر نتائج ذلك في كهرباء بلا انقطاع، وجمع النفايات المنتظم، ورخص تُمنح بلا رشى، وضوابط حدودية قانونية وممكن التنبؤ بها، وهي كلّها مؤشّرات ملموسة إلى أنّ الدولة موجودة خارج منافسة الفصائل.
وانطلاقاً من هذا الأساس، يجب على الدولة أن توسّع قدراتها عبر إصلاح مالي. فـلا بُدّ من نظام ضريبي أكثر عدلاً ويوسّع القاعدة الضريبية، ويطال الثروات التي لا تخضع للضرائب بالقدر الكافي، ويموّل المنافع والخدمات العامةً. وسيبقى الدعم الخارجي مطلوباً، لكن يجب أن يكون موجّهاً نحو تعزيز المشتريات واللوجستيات والصيانة لا استبدالها. وبالنسبة إلى الجيش اللبناني، يعني ذلك موارد ثابتة للتدريب والاستمرارية، وإشرافاً مدنياً واضحاً، وقواعد اشتباك تحافظ على سمعته بعدم الانحياز. فجيشٌ يُطلب منه أن يفعل الأقلّ ولكن بإتقان، سيكون قادراً في النهاية على فعل الأكثر.
ومع بدء تفاعل الشرعية والقدرة وتعزيزهما بعضهما البعض، يتغيّر المشهد الأمني. فالمجتمعات التي طال اعتمادها على الفاعلين غير الحكوميين للحصول على الخدمات والحماية ستجد بديلاً موثوقاً. وتضعف المبرّرات السياسية لوجود المجموعات المسلّحة عندما تصبح الدولة مزوّداً وحاضرةً في حياة الناس اليومية لا مجرّد فكرة مجرّدة وكيان غائب. عندها يصبح نزع السلاح نتيجة تفاوضية تستند إلى عقد اجتماعي متحوّل، لا مواجهة صفرية.
تظهر خيارات لبنان في خضم اضطرابات إقليمية مستمرّة. ويكمن التحدّي في الحفاظ على حيّز كافٍ لاتخاذ القرار المستقل، مع مواجهة الضغوط التي تسعى إلى إدراج البلاد ضمن ترتيبات «استقرار» تُحدَّد من الخارج. ويمكن لسياسة خارجية موثوقة أن ترتكز على الثبات واحترام القانون والسيادة، مع إعطاء الأولوية لحماية الحدود، وخفض التصعيد الإقليمي وفق القانون الدولي، وبناء شراكات تُعزّز مؤسّسات الدولة بدل أن تعيد تشكيلها. أمّا الدعم الدولي الفعلي، فيجب أن يساعد في إعادة بناء المؤسّسات وتعزيز المساءلة العامة، لا أن يبادل الإصلاح بالامتثال.
وأمام الفاعلين الدوليين أيضاً خيارات. فتمويل إعادة الإعمار من دون ضمانات صلبة ضد أيّ اعتداءات إسرائيلية مستقبلية سيقوم على أرضية هشّة. والمساعدات العسكرية المُصمّمة أساساً لخدمة صراعات القوى الإقليمية لن تؤدّي إلّا إلى تعميق تبعية لبنان. وكلّما كافأ الدعم الخارجي الأداء، المُقاس بالصيانة المنجزة، وتصفية التراكمات اللوجستية، وتقليص أوقات الاستجابة، ازدادت قدرتها على بناء السيادة بدلاً من إدارة الهشاشة.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










