ما أجمل مجالسة كبار السن؛ فإن في مجالستهم نافذةً ترى من خلالها الحياة من زاوية واقعية بسيطة وعميقة في الوقت نفسه. ستجد أن الفهم الواسع للحياة غير مرتبط بورقة جامعية، فكم من أناس لم ينالوا حظهم من التعليم، لكنهم تعلّموا في مدرسة الحياة. تجد في كلامهم عصارة تجارب حياتية صادقة، وليست نظريات فلسفية تُناقَش في غرف الجامعات المغلقة. يعرفون معنى السعادة دون اللجوء إلى نظريات علم النفس التحليلي، أو الغوص في نظريات السعادة لدى فلاسفة اليونان.
كأنها لحظة حنين لاسترجاع ما تبقّى من أوراق شجرة الذكريات الجميلة. كلّنا نمر بهذه اللحظة، لا أشك في ذلك؛ لنا في القبور أحبة، وتأتي الحياة بملهياتها أحيانًا فتسلب منا أجمل الذكريات التي كنا نلجأ إليها من قسوة الواقع.
أتعجب لهؤلاء الأجداد؛ لم ينشغلوا سوى بعالمهم الصغير، وكانت فلسفتهم قائمة على تدبير معيشة أفضل من تلك التي نشأوا فيها. وقتها لم تكن الرفاهيات الموجودة حولنا اليوم متاحة في قاموس حياتهم البسيطة، ألم تكن السعادة، رغم ذلك، أكثر انتشارًا من وقتنا الحالي الذي يسوده القلق، وتسوده السعادة المزيفة على مسرح النسيان؟
ترى، ما هو السر؟
أعتقد أنه يكمن في البساطة؛ كانت الحياة لديهم أكثر بساطة، رغم تحديات المعيشة التي كانت تواجههم أحيانًا. كان العلم يُسافَر إليه بالأميال، ولم تكن هناك أدوات ذكاء اصطناعي أو Google Scholar وغيرها من أدوات التعلّم الرقمي. كان المتعلّم متعلّمًا بالمعنى الحقيقي، وكان الشغف هو التعلّم، لا الحصول على درجة الدكتوراه عند البعض للتباهي، ونوعًا من أنواع الوجاهة الاجتماعية.
كان معنى السعادة في داخلهم، ولهذا لم يبحثوا عنها في الماديات التي يتميّز بها عصرنا؛ العصر الذي يتسم بالرأسمالية والاستهلاكية. تتصفح التلفاز فتجد إعلاناتٍ كثيفة كالمطر لوحدات سكنية بعشرات الملايين، وتتصفح وسائل التواصل الاجتماعي فتجد السحابة نفسها تمطر إعلانات. أصبح الحب سلعة تُباع، وأصبحت كلمةً جوفاء من كثرة استخدامها؛ لأنها فقدت جوهرها.
لننظر من حولنا، سنجد أن إيقاع الحياة أصبح سريعًا في المدن الكبرى. ورغم حبي لحياة المدينة وما تتسم به أحيانًا من تحضّر ورقي، إلا أن أوتار الحياة فيها تتسارع وتتَصارَع في معزوفةٍ بين حزن وفرح. وعلى الجانب الآخر، تأتي بساطة حياة الريف في أجواء من الهدوء والسكينة، بعيدًا عن الزخم والأحداث الكثيفة التي تسلب منا حريتنا، وحياة التأمل والتفكير؛ فهي مسقط رأس معظم العقول التي أثّرت في شتى مجالات الحياة.
ما أروع أن تركّز على عالمك الصغير، في دائرة عائلتك ومعارفك القليلين؛ لأنني أحب الجودة على حساب العدد. لا تُشتّت نفسك، فلن تستطيع تغيير العالم الكبير، لكنك تستطيع أن تُجمّل وتُسعد عالمك الصغير. نظرة تأمل واقعية أفضل من عمرٍ كامل في المثالية؛ عندها ستدرك أن السعادة تكمن في البساطة.










