لم تأت إشادة الرئيس الأمريكى ترامب بحالة الأمن فى مصر والتأكيد على أنها أفضل كثيرا من حالة الأمن فى أمريكا من فراغ.. فالشرطة المصرية استطاعت أن تستعيد قوتها وتفرض حالة الأمن فى كل أرجاء الوطن بعد أحداث الفوضي التى شهدتها البلاد من أقصاها إلى أقصاها فى يناير 2011 والتى استهدفت بالدرجة الأولى حالة الأمن فى مصر والتى كانت بشهادة منظمات دولية أكثر دول الشرق الأوسط استقرارا.
وفى الواقع تأتى حالة الاستقرار الأمنى التى نعيشها حاليا فى مصر في زمن تتساقط فيه الدول تحت وطأة الفوضى، وتترنح فيه مؤسسات الأمن في مناطق واسعة حول العالم لتؤكد أن الحالة الأمنية المصرية هى بحق نموذج للاستقرار الصعب، والأمن المكلف، الذي لا يصان إلا باليقظة والتضحية والعرق والدم وتجديد دماء القيادات الأمنية باستمرار، وتحديث طرق الاعداد والتدريب والتأهيل الحديث لكل ضباط وأفراد المنظومة الأمنية.
حالة الأمن والاستقرار في مصر هى فى حقيقة الأمر انعكاس لواقع يلمسه كل من يزور هذا البلد أو يعيش فيه.. فنحن نعيش فى دولة تعرف قيمة الأمن، ولديها مؤسسة شرطية تتحمل عبئا ثقيلا في حماية أكثر من 100 مليون مواطن فضلا عن ملايين المهاجرين الذين لفظتهم بلادهم وجاءوا الى مصر بحثا عن الأمان.. الأمان على أرواحهم وأعراضهم، ووجدوا فى أرض الكنانة ضالتهم، وتحملت الشرطة المصرية تجاوزات بعضهم، وتعاملت معها بإنسانية باعتبارهم ضيوفنا علينا حتى تستقيم أمور بلادهم ويعودوا إليها فى أمان.
لقد تصدت الشرطة المصرية بكل حزم خلال العقدين الماضيين للجماعات الارهابية وعصابات الجريمة المنظمة التى استهدفت مصر، واستطاعت أن تطهر البلاد من أحقر جماعات التطرف والإرهاب وقدمت فى سبيل ذلك تضحيات كثيرة، وبليت فى بعض الفترات بلاء حسنا، ولم تضعف أو تتردد وظلت متماسكة وازدادت قوة وصلابة.
يأتي عيد الشرطة المصرية هذا العام لا بوصفه مناسبة احتفالية بروتوكولية، بل باعتباره محطة وطنية للتأمل في حجم التحديات التي واجهتها هذه المؤسسة العريقة، والانتصارات الصامتة التي حققتها بعيدا عن الأضواء في حرب مفتوحة ضد الإرهاب والجريمة المنظمة، ومحاولات نشر الفوضى وتقويض أركان الدولة.
لقد كانت الشرطة المصرية، عبر تاريخها الممتد، في قلب المعركة من أجل بقاء الدولة الوطنية.. فمنذ معركة الإسماعيلية عام 1952، التي سطّر فيها رجال الشرطة ملحمة في مواجهة الاحتلال البريطاني، وحتى معارك اليوم ضد التنظيمات المتطرفة وشبكات التهريب والسلاح والمخدرات، لم تتغير الحقيقة.. هذا جهاز يدفع من دم أبنائه ثمنا يوميا لاستمرار الحياة طبيعية في الشارع المصري.
ولا يخفى على أحد أن السنوات التي أعقبت عام 2011 كانت من أقسى الفترات على جهاز الشرطة، حيث تعرض لمحاولات ممنهجة للإسقاط المعنوي والتشويه والتفكيك، في إطار مخطط أوسع لاستهداف الدولة ومؤسساتها السيادية.. ومع ذلك أعادت الشرطة بناء نفسها، وطورت أدواتها، وراجعت أداءها، ونجحت – بالشراكة مع القوات المسلحة وباقي أجهزة الدولة – في استعادة السيطرة على الشارع، وتجفيف منابع الإرهاب، وإعادة الشعور بالأمان للمواطن البسيط.
المنفلتون فقط هم الذين لا تعجبهم الشرطة المصرية، محترفو الجريمة والفوضى هم الذين ينتقدون أداء الشرطة لأنها تتصدى لهم وتحاصرهم وتمنع أذاهم للمجتمع وتقدمهم للعدالة.
أما المواطنون الشرفاء الذين يعرفون حقوقهم وواجباتهم ويحملون مشاعر وطنية توفر لهم ولوطنهم الحماية فهم دائما فى ظهر الشرطة يدعمون جهودها ويقدرون تضحياتهم ويقدمون لها العون والدعم المعنوى لكى تستمر حامية للجبهة الداخلية من كل أشكال وأنماط الجريمة.
كلنا نشاهد تجاوزات الشرطة ضد المواطنين فى أكثر دول العالم تحضرا ورقيا وتشدقا بحقوق الإنسان.. نشاهد فى أمريكا وبريطانيا وفرنسا وغيرها عنفا ملحوظا فى أداء عناصر الشرطة، وقد لا نرى شيئا من ذلك فى أداء الشرطة المصرية.. ومع ذلك ما زلت ننبهر بأداء الشرطة فى هذه البلاد مع أنها تهدر يوميا حقوق الإنسان.
الأمن الذي ننعم به حاليا فى مصر والذى يحسدنا عليه العديد من مواطنى الشرق الاوسط كله لم يأت صدفة، ولم يكن منحة مجانية من الظروف، بل هو حصيلة عمل وجهد متواصل، وانتشار ميداني واسع، وتضحيات لا تعد ولا تحصى لرجال يقفون في نقاط التفتيش، وفي الدوريات الليلية، وعلى الطرق السريعة، وفي القرى والنجوع، بعيدا عن أسرهم، وتحت ضغط دائم وخطر مستمر.
تضحيات ضباط وأفراد الشرطة يشعر بها أكثر تلك الأسر التى ينتمى لها هؤلاء الضباط والأفراد فهى من تشعر أكثر من غيرها بما يقدمون من تضحيات، وهى من تقدم لهم كل صور وأشكال الدعم المادى والنفسى لكى يؤدون رسالتهم على الوجه الأكمل.
وفى ظل هذا الاستقرار الأمنى فإن النظرة العامة للأمن يجب أن تتغير وتواكب مطالب واحتياجات التنمية خاصة وأن الشرطة المصرية ليست فقط جهازا لملاحقة الجريمة، بل يجب عنصر مهم جدا من معادلة التنمية والاستقرار.. فلا استثمار بلا أمن، ولا سياحة بلا طمأنينة، ولا مشروعات قومية عملاقة بلا دولة قادرة على حماية منشآتها وحدودها ومدنها.
في عيدها لا نملك إلا أن نوجه التحية لرجال الشرطة الشرفاء، ولأسر الشهداء الذين دفعوا أغلى ثمن، وللمصابين الذين يحملون في أجسادهم شهادة صامتة على قسوة المعركة ونبل الهدف.
تحية لكل ضابط وأمين وجندي اختار أن يكون في الصفوف الأمامية، درعا لهذا الوطن، وسدا منيعا في وجه من يتربصون به.
إن تقدير الشرطة والتعامل الراقى مع رجالها ليس مجاملة، بل هو واجب وطني، والاعتراف بدورها ليس ترفا إعلاميا، بل جزء من الوعي بحقائق الصراع الذي تخوضه الدولة المصرية من أجل أن تبقي دولة قوية مستقرة آمنة.
كل عام والشرطة المصرية بخير.
كل عام ومصر أكثر أمنا وصلابة.
b_halawany@hotmail.com










