هل تساءلت يوماً لماذا تصر طهران على استمرار عنادها العسكري رغم حصارها الخانق وأزماتها الاقتصادية الطاحنة؟ الإجابة لا تكمن أبداً في لغة الأرقام والميزانيات المنهارة، بل تتوارى خلف “كتالوج السيطرة” الأمريكي القديم الذي ترفض إيران بشراسة أن تكون ضحيته الجديدة.
مشهد رمزي وقاسٍ حدث هذا الأسبوع في واشنطن، لخص الحكاية بأكملها. فقد أُجبرت رئيسة الوزراء اليابانية “ساناي تاكايشي”، التي تزور أمريكا لبحث أزمة مضيق هرمز، على الانصياع للبروتوكول الأمريكي الصارم.
ذهبت إلى مقبرة “أرلينغتون” الوطنية، لتحني رأسها بخشوع وتضع إكليلاً من الزهور أمام قبر الجندي المجهول.
المفارقة هنا موجعة ومذلة؛ فهذا الإكليل يوضع تكريماً لجنود أمريكيين، من بينهم من أبادوا مدن بلادها خلال المواجهة العالمية الثانية.
جنود أمثال “بول تيبتس” الطيار الذي سحق هيروشيما، و”تشارلز سويني” الذي ألقى قنبلته الذرية فوق ناغازاكي وتسبب في رحيل 80 ألف إنسان .
اليابان قبل “الترويض” في 1945 كانت إمبراطورية مرعبة وعملاقاً عسكرياً قهر روسيا والصين وتجرأ على ضرب “بيرل هاربر”.
لكن الجنرال الأمريكي “ماك آرثر” لم يكتفِ بهزيمتها عسكرياً، بل تعمد سحق هويتها، وتفكيك اقتصادها، وكتابة دستورها، وتحويل إمبراطورها لمجرد رمز شرفي، لتصبح البلاد قاعدة أمريكية ضخمة، وشعبها مجرد تروس اقتصادية بلا سيادة أو قرار سياسي مستقل.
هذا هو بالضبط “النموذج الياباني” المهين الذي تحاول واشنطن فرضه اليوم على طهران ومنطقة الشرق الأوسط.
المعركة الحالية تتجاوز السيطرة على النفط أو مضيق هرمز؛ الهدف الأسمى هو إركاع القيادة الإيرانية هو إعادة انتاج النموذج الياباني من جديد لتقديم اعتذار رمزي وتحويل جيشها لمجرد حرس حدود يحمي المصالح الغربية.
رغم فداحة الخسائر، وحجم الدمار، والاقتصاد المنهار، ترى طهران أنها لا تزال تحتفظ بانتصار وحيد وأخير؛ إنها حتى هذه اللحظة، ترفض بشراسة التحول إلى نسخة يابانية مروضة.. إنها تواجه بضراوة في هذه الحرب لتجنب لحظة السقوط الأبدي، والتحول إلى مجرد تابع ذليل بلا صوت في سجلات التاريخ.










