فى كثير من النقاشات العامة يختزل مفهوم الأمن فى صورته السياسية أو الأمنية المباشرة حدود مصونة . مؤسسات مستقرة . قوانين تطبق بحزم غير أن هذا الفهم رغم اهميته يظل قاصرا إذا لم يدرك أن هناك بعدا أكثر عمقا وتأثيرا وهو الامن الإجتماعى ذلك الجدار الخفى الذى إن تصدع سقطت معه كل مظاهر الاستقرار الاخرى .
فالدولة لا تبنى فقط على قوة أجهزتها بل على تماسك مجتمعها والمجتمع لا يتماسك بالشعارات بل بتحقيق العدالة وتكافؤ الفرص وضمان الحد الادنى من الحياة الكريمة لكل مواطن .حين يجد الانسان تعليما جيدا ورعاية صحية لائقة وفرصة عمل تحفظ كرامته فإنه لا يصبح فقط عنصرا منتجا بل شريكا حقيقيا فى حماية استقرار بلاده .
الأمن الاجتماعى هو الشعور العام بالرضا والعدالة وهو أن يشعر المواطن أن الدولة تراه وتسمعه وتنصفة هذا الشعور البسيط فى ظاهرة العميق يصنع الفارق بين مجتمع متماسك قادر على مواجهة التحديات وأخر هش يسهل اختراقه وأرباكة .
وعلى الجانب الاخر فإن غياب هذا الأمن يخلق بيئة خصبة للاضطراب , الفقر ليس مجرد رقم فى احصائية بل هو مدخل لليأس, والبطالة ليست اقتصادية بل أزمة كرامة والتهميش لا يولد الصمت دائما بل قد يتحول الى غضب مكتوم ينفجر فى لحظه غير متوقعه وهنا يصبح الامن السياسى فى مهب الريح مهما بلغت قوته الظاهرية
لقد أثبتت التجارب أن الاستقرار لايفرض من أعلى فقط بل يبنى من أسفل من الآحياء البسيطة من المدارس والمستشفيات من قدرة الدولة على أن توازن بين النمو الاقتصادى والعدالة الاجتماعية فكلما اتسعت الفجوة بين الطبقات وتراجع الاحساس بالانصاف تأكلت شرعية الاستقرار السياسى فى الداخل
أن العلاقة بين الآمن الاجتماعى والامن السياسى ليست علاقة تكامل عضوى الاول يغذى الثانى بدوره يوفر الاطار الذى يسمح بتحقيق العدالة والتنمية لكن البداية الحقيقية تظل فى الانسان من حياته اليومية من شعوره بالأمان فى بيته وعمله ومستقبله
وفى هذا السياق تصبح مسؤولية الدولة والمجتمع معا واضحة الاستثمار فى البشر ليس رفاهية بل ضرورة امنية والعدالة الاجتماعية ليست مطلبا اخلاقيا فقط بل ركيزة للاستقرار السياسى وكل سياسة لا تضع الإنسان فى قلبها إنما تؤجل أزمة قادمة
الخلاصة ياسادة التى لا تقبل الجدل الأمن السياسى يمكن أن يصمد لفترة بالقوة لكنه لا يستمر إلا بالعدالة أما الأمن الاجتماعى فهو الذى يمنح هذا الاستمرار معناه الحقيقى
فالدولة التى تؤمن حياة كريمة لمواطنيها لا تحمى حدودها فقط بل تحصن نفسها من الداخل حيث يبدأ الامن الحقيقى .
المحامى – مدير أحد البنوك الوطنية بالمحلة الكبرى سابقا










