في أدراج قلوبنا صناديق بريدٍ سرية، لا يفتحها ساعي بريدٍ، ولا يصلُ إليها ختمُ “عاجل”. فيها رسائل كُتبت بمدادِ الدمع، ورُتّبت بعنايةِ الحنين، ثم ماتت قبل أن تولد، كتبناها ونحنُ على أعتابِ الكلام، ثم بلعنا الحروف خوفاً أو كبرياءً أو لأنَّ اللحظةَ مضت. فصارت أسيرة بين الضلوع، ترددُ صدى صمتنا كل ليلة..كم من كلمة أحبكَ خُنقت قبل أن تنطق، فصارت حجراً جاثماً على الصدر..
وكم من كلمة “آسفٌ” تأخرت حتى صارت جثةً صعبة القبول.. وكم من كلمة “سامحني” ضاعت في زحام العناد، فصارَ بيننا جدار من زجاجٍ… نرى بعضنا ولا نلمسُ بعضنا.
كانت أيدينا على لوحة المفاتيح تكتب بحرقة، لكن أصابعنا على زرِّ الإرسال تجمدت. كنا أقرب من الهمسِ، فصرنا أبعدَ من النجوم. كنا نملك الشجاعة لنكتب، ففقدنا الجرأةَ لنرسل.
أصبحت الرسائل جنين ميتٌ في رحمِ الذاكرة. لا يصرخُ فيولد، ولا يُدفن فيُنسى. معلّقٌ بين الحياةِ والموت، يثقلُ كاهلَ الروحِ كلما تنفست. نجومٌ انطفأت قبل أن يراها أحد. تضيء سماء الليلِ في داخلنا، لكن ضوءها لا يصلُ إلى عيونِ من كُتبت لأجله…كتبنا فـكتمنا، وكتمنا فـتألمنا، وتألمنا فـصمتنا. ودائرةُ الصمتِ لا تنكسر إلا بكلمةٍ قد تأخرت..صندوق الواردِ في هاتفك قد يكونُ فارغاً، لكنَّ صندوقَ الواردِ في قلبك ممتلئٌ إلى حد الانفجار. مسودات لا تُحذف، ورسائلُ مؤجلةُ الإرسال إلى أجلٍ لا يأتي.
يا ليتَ البوحَ كان أسهلَ من الكتم، ويا ليتَ الاعتذارَ كان أخفَّ من الندم، ويا ليتَ اللحظةَ كانت تنتظرُنا كما انتظرناها. لكن الحياةَ لا تعيدُ المشهد، والقطارُ لا يعودُ ليركب من تردد. فـتغدو الرسائل اليتيمة ورداً ذابلاً في مزهريةِ الماضي ..نعتني بها، نسقيها بالذكرى، لكنها لا تفوح عطرا. ليس كل صمتٍ حكمة، وليس كل كتمانٍ قوة. أحياناً الكلمةُ المتأخرةُ خيرٌ من السكوتِ المؤبد.
إن كان في قلبكَ رسالةٌ لم تصل بعد، فاسأل نفسكَ: لمن أكتبها؟ ولماذا أخاف؟ وماذا سأخسرُ إن قُلتها الآن؟
فربما تكون آخر فرصةٍ لتطفئَ حريقاً قبل أن يلتهم ما تبقى. وربما يكون الصمت هو الخسارة الحقيقية، لا الكلمة.
وإن فات الأوان، فاجعل من هذه الرسائلِ وصية لنفسكَ: لا تؤجلْ كلمةً دافئة، ولا تكتمْ دمعةً صادقة، ولا تحبسْ اعتذاراً مستحقاً.
فـالقلوبُ لا تحتمل الزحام، والروح تختنق إذا امتلأَ صدرُها بما لم يُقال.
{وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ}… فما بالك بالشهادة على ما في القلب؟ قلها الآن، قبل أن تصير رسالة أخرى… لم تصل.










