بصفتي عضواً في الأمانة العامة لمؤتمر أدباء مصر، أجد نفسي مدفوعاً بوازع من المسؤولية والغيرة على الحركة الثقافية بأن أضع الأمور في نصابها الصحيح. وفي البداية، يهمني أن أؤكد بوضوح قاطع: أنا لست ضد عقد المؤتمرات الأدبية، بل أنا مع إقامتها واستمرارها قلباً وقالباً، كفكرة وقيمة ومنصة ضرورية للمبدعين. لكن نبرة النقد هنا تنبع من رغبتي في الإصلاح؛ فالأدباء والمثقفون يواجهون اليوم أزمة فاعلية حقيقية في هذه الفاعليات، وهناك فجوة عميقة بين الميزانيات التي تُنفق وبين المردود الثقافي على أرض الواقع، وهو ما يستلزم منا وقفة حاسمة وجريئة لإصلاح هذا المسار وإيقاف ما أراه هادراً للمال العام.
اولا: مؤتمرات اليوم الواحد: فاعلية غائبة وتكريمات بالمجاملة
بدءاً من “مؤتمر اليوم الواحد”، أتساءل بوضوح: ما الفائدة الحقيقية من مؤتمر يُختصر برنامجه في جلسة بحثية غير مجدية، تليها شهادة إبداعية وأمسية ثقافية لا يحضرها إلا عدد محدود جداً من المشاركين؟
المصيبة الأكبر هنا هي أن التكريمات في هذه المؤتمرات أصبحت تتم بالمجاملات والعلاقات الشخصية، دون معايير حقيقية تُنصف المبدع الجاد. إن هذا النمط برأيي يمثل هدراً صريحاً للمال العام، وكان الأولى توجيه هذه الموارد لدعم الأدباء الجادين أو طباعة أعمالهم بدلاً من إنفاقها على فاعليات هامشية بلا أثر.
ثانيا: مؤتمرات الأقاليم: كلفة باهظة ومخرجات مكررة
أما “مؤتمر الإقليم”، فحدث ولا حرج؛ إذ يكلف الدولة مبالغ طائلة، هذا بخلاف الجزء المالي واللوجستي الذي تتحمله المحافظة التي عليها الدور في الاستضافة. ورغم هذه الكلفة العالية، نجد أن المحتوى يتكرر: كتاب يوم الافتتاح، وجلسات بحثية أخرى غير مجدية، وشهادات إبداعية، وتكريمات للأدباء تتم هي الأخرى بالمجاملات والمحاصصة. أليس هذا استنزافاً لأموال الدولة ومحافظاتها دون عائد ثقافي يذكر؟
ثالثا: المؤتمر العام لأدباء مصر: أين أمانة الماضي الفاعلة؟
وهنا أقولها بكل صدق وتجرد، مستنداً إلى تاريخي وتجربتي؛ فقد شاركت في مؤتمر الإسكندرية عام 1997 من خلال أمانة المؤتمر العام، وكان تشكيل الأمانة وقتها نموذجاً يُحتذى به: (عضو من الأقاليم الخمسة، وأربعة نقاد، وثلاثة إعلاميين، واثنان من الهيئة). أتمنى من كل قلبي أن تعود الأمانة كما كانت في الماضي؛ فقد كانت أمانة فاعلة بجد, تدير المشهد بنزاهة وتجرد، والأهم أنها لم تكن تكلف الدولة مالياً كما يحدث الآن.
- إن ما يحدث حالياً من تكريمات في المؤتمر العام هو حالة من الفوضى، وأتمنى من الأمانة الحالية أن تعيد النظر في هذا الملف خلال هذا العام، وأن تضع شروطاً جادة وصارمة للتكريم. فمن غير المقبول أبداً أن نرى أشخاصاً يتم تكريمهم مجدداً رغم أنه سبق تكريمهم، سواء في المؤتمر العام نفسه أو في مؤتمرات الأقاليم!
- أزمات التنظيم: المؤتمر ليس مجرد رحلة
والمصيبة الأخرى التي نواجهها تكمن في آليات اختيار اللجان، وأمين المؤتمر، ورئيس المؤتمر، ومسألة تموين المؤتمر لوجستياً؛ كلها أزمات ومشاكل متراكمة لابد من حلها. يجب أن يعلم الجميع أن المؤتمر العام ليس مجرد “فسحة” للأدباء أو رحلة ترفيهية تهتم بالميزات الفندقية، بل هو منصة لمناقشات فاعلة وجادة.
خارطة الطريق وتعديل اللوائح
بناءً على موقعي في الأمانة الحالية، أرى أننا أمام حتمية تاريخية للتغيير، ولن يتحقق ذلك إلا عبر الخطوات التالية:
1 – تطوير المحتوى البحثي لجميع المؤتمرات والخروج للجمهور:
لابد من نسف الرتابة في الجانب الفكري، بحيث يتم اختيار الأبحاث في كافة المستويات (المؤتمر العام، مؤتمرات الأقاليم، ومؤتمرات اليوم الواحد) لتواكب بحق عصر التطور المذهل والذكاء الاصطناعي والميديا. وتزامنًا مع ذلك، أطالب بضرورة خروج فاعليات هذه المؤتمرات من القاعات المغلقة إلى الجمهور الحقيقي في القرى والمدارس والجامعات والأندية الرياضية والميادين والمقاهي؛ فالمثقف لا قيمة له دون شارع يتفاعل معه.
2 – تأسيس منصة رقمية واستدامة المخرجات:
لابد من الخروج من مأزق “المؤتمرات الموسمية”؛ لذا أقترح تأسيس منصة رقمية رسمية للمؤتمر تُبث من خلالها الندوات وتُتاح عليها الأبحاث للجميع، مع إلزام الهيئة بتحويل توصيات المؤتمر إلى مشروعات ثقافية تنفيذية مستمرة طوال العام، بدلاً من أن تظل حبيسة الكتب المطبوعة.
3 – العودة للنظام القديم في اختيار الأمانة:
أطالب بالعودة لنظام اختيار عضو الأمانة العامة للمؤتمر العام عن كل إقليم عن طريق الانتخاب الحر المباشر، بحيث يمثل كل إقليم مبدع واحد فقط، بدلاً من التوسع في العدد الكمي الحالي الذي أضعف الفاعلية.
4 – طرح مقترحات حاسمة:
تقوم الأمانة الحالية بصياغة حلول جذرية لكافة المشاكل التنظيمية، وآليات اختيار القيادات واللجان، وضوابط التكريم، وتُعرض على الجمعية العمومية للمناقشة النهائية والتصويت.
5 – تعديل اللوائح:
أختم بالقول إن تعديل اللوائح الحالية أصبح ضرورة لا تقبل التأجيل، لإنهاء العشوائية والمجاملات، وصون المال العام، وإعادة الهيبة لمؤتمر أدباء مصر الذي نريده دوماً منبراً تنويرياً رائداً.










