الليل ينزل على القرية كأنه يضع يده على فمها كي لا تئن.
أجلس على الحجر الملساء عند حافة النهر، أضع كفي في الماء البارد فأشعر أنني أغسل وجهي من سنين لم أبكِ فيها.
النهر لا يسأل.
يمرّ فقط، يحمل معه أوراق الخريف، ضحكات الأولاد، وأسرار الذين جلسوا قبلي على هذه الضفة ثم رحلوا.
أما أنا، فما زلتُ هنا. جسدي في المدينة، لكن روحي تعود كل ليلة إلى هذا المكان، تجلس وتعدّ الحصى.
كان أبي يقول: “الذكرى مثل الحصاة يا ابنتي، إذا حبستها في يدك جرحتك، وإذا ألقيتها في الماء صارت جزءًا من الجريان”.
لم أفهمه يومها. كنتُ أحتفظ بكل شيء. بعتاب أمي الصامت، بضحكة صديقتي التي سافرت ولم تعد، برسالة لم أجرؤ على إرسالها.
الآن أفهم. يدي تؤلمني من القبض.
الماء يلمس كاحلي، باردٌ كأنه يذكرني بشيء نسيته.
أغمض عيني فأرى بيتنا القديم. الباب الخشبي الذي كان يصرخ كلما فُتح، شجرة التين التي كنتُ أختبئ تحتها حين أغضب من العالم.
كل شيء هناك صار رمادًا. حريقٌ واحد أخذ البيت، ولم يأخذني.
أحيانًا أفكر أن النجاة كانت هي الخسارة الحقيقية.
“بتعملي إيه هنا في الوقت ده؟”
صوتٌ خلفي.
ألتفت. رجل عجوز يحمل شبكة صيد على كتفه، وجهه خريطة شقوق.
“بغسل الذاكرة”، أقول.
يهز رأسه كمن سمع الجواب ألف مرة.
“المية ما بتغسلش الذاكرة يا بنتي. بتغسل الغبار اللي عليها عشان تشوفيها أوضح”.
يجلس بجانبي دون استئذان، يلقي شبكته في الماء.
نصمت. الصمت بيننا لا يخنق، بل يفسح مكانًا للكلام الذي لا يُقال.
أسأله: “وأنت؟ إيش بتعمل هنا كل ليلة؟”
يبتسم.
“بستنى”.
“بتستنى إيش؟”
“بتستنى أنا أرجع أصدّق إني أقدر أطلع من المية”.
أضحك لأول مرة منذ شهور.
هو أيضًا يضحك، ضحكة مكسورة لكنها حقيقية.
نظل صامتين حتى يطلع القمر.
ضوؤه يرسم على وجه الماء طريقًا فضيًا، كأنه جسر.
أمد يدي وألمس الماء.
الانعكاس يهتز، صورتي تتشقق ثم تعود.
أدرك فجأة أنني لستُ بحاجة أن أمحو ما حدث.
بحاجة فقط أن أتعلم العيش مع انعكاسي المشروخ.
أقف.
الركبتان ترتعشان قليلًا.
“أنا رايحة”، أقول للعجوز.
“رايحة فين؟”
“رايحة أرجع للمدينة. بس مش نفس الطريق”.
يهز رأسه.
“الطريق ما بيهمش. المهم إنك ما تبقيش واقفة على الضفة طول عمرك”.
أمشي.
النهر خلفي يمضي، وأنا أمضي معه.
لا أحمل شيئًا في يدي، لكن شيئًا خفيفًا ينمو في صدري.
اسمه: قبول.
على ضفاف الذكريات، تركتُ حصاة ثقيلة.
وتركتُ مكانها فراغًا صغيرًا.
فراغٌ يكفي لهواء جديد.










