“الأموال المجمدة” في السياسة الدولية تُقدَّم غالبًا كأنها إجراء قانوني مؤقت ومحايد، لكن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك.
التجميد في أغلب الحالات لا يعني أن المال موضوع داخل خزنة ، وإنما يعني أن صاحب المال الأصلي مُنع من التصرف به، بينما يبقى النظام المالي الذي يحتفظ به قادرًا على الاستفادة غير المباشرة منه.
تاريخيًا، هناك أموال أُعيدت فعلًا، وأموال اختفت داخل دهاليز التسويات والمحاكم والعقوبات، وأموال بقيت معلقة لعقود حتى فقدت قيمتها السياسية والاقتصادية.
من الأمثلة المعروفة على ذلك:
جزء من الأموال الإيرانية المجمدة أُفرج عنه بعد اتفاقات سياسية، لكن بعد سنوات طويلة تغيرت خلالها قيمة المال وقيمة الاقتصاد نفسه.
العراق بعد 2003 استعاد بعض الأصول، لكن تحت إدارة ورقابة دولية معقدة.
ليبيا بعد 2011 بقيت ملياراتها موزعة بين تجميد جزئي ونزاعات على الشرعية.
أفغانستان حتى اليوم مثال صارخ على أن “التجميد” قد يتحول عمليًا إلى مصادرة مقنّعة أو إدارة خارجية للأموال.
الأسئلة الأهم التي يجب ان تُطرح هل تعود الأموال؟ ماذا يحدث لها خلال فترة “التجميد”؟
وهنا ندخل إلى المنطقة الرمادية التي لا يحب النظام المالي العالمي الحديث عنها كثيرًا.
البنوك المركزية والمؤسسات المالية لا تُدير الأموال بمنطق الصندوق الحديدي القديم. المال داخل النظام المالي يولد حركة وسيولة وضمانات وقدرة ائتمانية. حتى لو لم يتم استثمار الأصل نفسه بشكل مباشر، وجوده داخل المنظومة يعزز قوة المؤسسات المحتفظة به. المال ليس مجرد أوراق، وإنما قدرة مالية ونفوذ وثقة وسيولة.
ما أراه أن كلمة “مجمدة” ليست وصفًا دقيقًا، لأنني أرى أن الطرف الأقوى يحتفظ بالتحكم الكامل بينما الطرف الأضعف يُطلب منه فقط أن يثق بالرواية الرسمية.
ولعل العبارة الشعبية “الدفاتر دفاترنا والأقلام أقلامنا” تلخص هذه الأزمة العميقة في النظام الدولي:
من يملك أدوات المحاسبة يملك الرواية.
انما هناك زاوية أخرى للموضوع لا ينتبه لها البعض:
كثير من هذه الأموال أصلًا لم تكن داخل الدول التي تتحدث عن السيادة، وإنما كانت مودعة منذ البداية داخل النظام المالي الغربي طلبًا للأمان أو الفائدة أو الحماية القانونية. أي أن جزءًا من المشكلة بدأ عندما ربطت النخب السياسية والاقتصادية ثرواتها بمنظومة لا تسيطر عليها.
وهذه نقطة قاسية تاريخيًا:
الدولة التي لا تملك نظامًا ماليًا قويًا ومستقلًا ستبقى أموالها، ولو كانت بالمليارات، تحت رحمة من يملك شبكة البنوك والتحويلات والاحتياطات العالمية.
لهذا نرى اليوم اتجاهات عالمية جديدة:
شراء الذهب بدل الاحتياطي النقدي الخارجي.
تقليل الاعتماد على الدولار.
إنشاء أنظمة دفع بديلة.
إعادة جزء من الاحتياطات إلى الداخل.
تنويع أماكن الإيداع بدل تركيزها في دولة واحدة.
لأن الخوف لم يعد فقط من “سرقة المال”، وإنما من تحوله إلى أداة ضغط سياسي في أي لحظة.










