أيام تفصل بيني وبين سن الستين من عمري، حالة غربة تنتابني ومشاعر تختلط بداخلي لا أعرف لها وصفًا، تمر من أمامي أحداث وبصحبتها وجوه عدة رأيتها في مشوار حياتي، تؤلمني علامات ضعف جسدي، يرهقني إحساسي بأنني منذ اليوم لن أصبح كما كنت بالأمس، ستتغير عادات حياتي، فتعود لا تشبه الماضي، يأتيني صوت خافت يبشرني، يهنئني بإتمامي لرحلة العمل، وصوت آخر يخبرني بأن يومي قد يصبح بلا غد.
أنصرف عن كل همس يحاورني، وأبدأ السير نحو تلك الوجوه التي مرت بي، وجوه تركت بقلبي كل أثر، قلوب ملأها الحب وأخرى سكنها الحقد واستعبدها الحسد، أستحضر كل موقف ترك لصاحبه أثرًا لا يمحوه زمن، وحديث عذب يدور هناك بيني وبين من قام بتشجيعي ومساندتي، وعتاب صامت لمخلوق سعى لإيلامي سعيدًا كأنه يحيا على حيرتي وحزني.
أعوام مرت كالسهم، عيون ملأها الدمع وشفاه لم تفارقها البسمة برغم كل شيء، طريق لا نهاية له من شقاء مررت به، وجهد عمل أتبعه إرهاق وتعب تمر الذكريات سريعًا أمامي، يتقدمها طلب يدعوني لنسيان ما كان، مبادرة تسامح وغفران لمن سبب لي ألمًا حينما دعته نفسه وسولت له إيذائي، فأنصرف عنه بسرعة مهرولة نحو من كان له فضل في نجاحي.
هذه السن التي سأصل إليها، تلك السن التي كنت أستبعد قربها مني بأمسي، كنت أراها بعيدة وها هي قد جاءت، أقامت بواقعي ووضعت لها مكانًا لا يغادر قلب ولا عقل، تذكرت حينها كم تفانيت في عمل وكم تحملت من مسئولية جعلتني أنتظر مجيئها على عجل، ولما نزلت بأرضي وسكنت بها سكنت معها غصة تترك مرارتها بحلقي.
تمر الأيام من بين أيدينا كالماء هينة ونحن نجهل أنها العمر، تتعاقب المواقف ويتعدد صانعوها الذين ارتضت أنفسهم لنا الظلم والقهر، فكان لكل فعل رد فعل أبسطه الابتعاد والتجنب والنأي، تفرض بعض الحكايات علينا حصارًا وتسكننا في منطقة الندم، الحسرة على كل ضائع من أعمارنا بذلناه لمن لا يستحق اهتمامًا ولا خير، فنحن من أسلمناه من طيب أنفسنا ما انطوى عليه الوجدان طواعية حين كنا لا نمتلك الخبرة.
كم قابلت نفوسنا أنفسًا أخرى تمنت لنا الفناء وحوت لنا بداخلها الشر، كم من جرح تعرض له قلب طيب لا يعرف من الدنيا سوى الوداعة والحب، كم مرت بنا تجارب صعبة، علمتنا شكلتنا فأصبحنا على أثرها لا نأتمن على أنفسنا أحد، نرفض أن نسلم لأحد كان كل حظه من الإنسانية الاسم.
تفرغت الآن للبحث عن كل ما هو حقيقي، أصلي غير زائف، أحتفظ به، أستدعيه حين يهدد الغروب وظلمته سطوع شمسي، أنقب هناك عن كل أمل يعدني بأن هناك عمر باق ومستقبل واعد، وبأنني ما زلت أملك رسالة لها عظيم الشأن، أهدي محبتي لكل من أسعدني، لمن قدرني واعترف بفضلي.
تطول الحياة أو تقصر، تدور بنا الدنيا أو تتوقف هناك في الغيب حقيقة تثبت أنك إنسان تعطي وتضحي فكفى بك فخرًا من عظمة المعنى واللفظ.









