قصة تاريخية قصيرة
تنويه واجب: الأحداث التالية ليست من نسج الخيال، بل هي مأخوذة عن قصة حقيقية حدثت بالفعل في بدايات القرن العشرين، بطلها هو المغامر المصري “حافظ نجيب” الذي جمع في عمره القصير حيواتٍ متعددة صاخبة، متنقلاً بين العسكرية، والجاسوسية، والنصب، والأدب، والعمل الوطني السري، تاركاً وراءه واحدة من أغرب المفارقات في تاريخ مصر الحديث. انتهي التنويه
ويبدأ سرد القصة
………
انفلقَ الفجرُ فوق أسوار “الدير المحرّق” في قاصية الصعيد كحدّ سيفٍ غمدُه الضباب. كان السكونُ في الصومعة الكئيبة كثيفاً وبارداً، لا يقطعه سوى فحيح شمعةٍ ذاب نصفها وتكاد تنطفئ، وصوتُ صرير قلم القصب وهو يشقّ وجه الورق الصقيل برعشةٍ خفية.
تنحنحَ الرجلُ الجالس في عتمة الصومعة، وعدّل بيده اليسرى من وضع “الإسكيم” المقّدس المطوّق لعنقه، متلمساً صليباً خشبياً كبيراً يتدلى فوق صدره. ملامحه الحادّة، وعيناه اللتان تشعان بذكاءٍ قلقٍ ومتقد، لم تكن تشبهان وداعة الرهبان المستسلمين لملكوت الصمت. نظَر إلى كفّه المستقرة على سفر المزامير المفتوح؛ كانت كفاً غريبة، تشي بتناقضات صاحبها.. فمن تحت أكمام جُبّته الصوفية السوداء الخشنة، تلوحُ قسوةُ ضابطٍ نظامي قديم تعلّم الانضباط في المدارس الحربية بالقاهرة، ونعومةُ رجلِ صالوناتٍ تأنّق بالفرنسية وقرأ لـ “فولتير” و”روسو” في مقاهي باريس، وبقايا مخالبِ “محتالٍ” طريدٍ ومطاردٍ زلقت من تحت يديه شرطة الأقاليم ومخابرات الإمبراطورية البريطانية!
مسح وجهه الطويل المتعب، وهمس بلغةٍ فرنسيةٍ ذات نبرة عسكرية شائبة:
«أنا الراهب فيلوثاؤس المحرقي… هكذا يتردد اسمي الآن في الرواق والقداس. أما في دفاتر المولد الرسمية فأنا حافظ نجيب. مسلمٌ بالميلاد، مغامرٌ بالهواية، ووطنيٌّ بالضرورة.»
ابتسم سخريةً من تلك اللعبة القدرية العجيبة. لقد بدأت الحكاية هرباً من حبل المشنقة، ومحاولةً للاختباء من عيون المخبرين الإنجليز بعد قضايا نصبٍ وتشابكات سياسية موّل بها نشاطه السري. تذكّر ليلته الأولى هنا، كيف كان يتوجس ريبة، يداري لحيته النابتة، ويضغط على مخارج حروفه وهو ينطق الصلوات القبطية العميقة التي حفظها بعبقريةٍ فذة في أيام معدودات. تذكّر كيف ألهمته قصة الفتاة الفرنسية التي قرأ عنها ذات يوم؛ تلك التي هربت إلى الدير بسبب حبٍّ مستحيل منعه اختلاف المذهب، فقلّدها في الهرب والاعتزال.. غير أنه لم يكن يطلبُ حباً أو زهداً، بل كان يطلبُ عرشاً وهدفاً سياسياً زلزل أركان عقله!
كانت الخطة في رأسه قد نضجت، واضحة وعنيفة كطلقة مدفع: سيتدرجُ في سلك الرهبنة، مستغلاً فصاحته الآسرة، لغاته السبع، وثقافته اللاهوتية والسياسية التي أذهلت شيوخ الدير، حتى يصل إلى المنصب الأسمى؛ “مطران الحبشة”. هناك، في أقاصي إفريقيا، حيث تتبع الكنيسة الإثيوبية تاج الإسكندرية روحياً وإدارياً، ولن يقضي وقته في تلاوة التراتيل ومباركة الرعية فحسب، بل سيبني جيشاً سرياً عاتياً، يرسل ضباطه للتعلم في النمسا وألمانيا بتمويلٍ فرنسي، ثم يزحف شمالاً ليتلاحم مع الحركة الوطنية، ويطبق على الإنجليز من الجنوب، محصناً السودان ومحرراً مصر في ضربةٍ تاريخية قاصمة.
انقطعت حبال أفكاره المشتعلة مع دقات جرس الدير الثقيلة، تعلنُ بصوتها النحاسي المهيب أن موعد اللقاء الحاسم قد حان. اليوم سيسافر إلى القاهرة ليمثل بين يدي البطريرك، البابا كيرلس الخامس. خطوة واحدة تفصله عن نيل التزكية لكرسي الحبشة… خطوة واحدة ويصبح ملكاً غير متوّج.
في ردهة البطريركية بالقاهرة، كان الهواء مشبعاً برائحة البخور القديم المعتق وصمتِ القرون المتراكمة. وقف حافظ نجيب بزيّه الأسود المهيب الذي يزيده طولاً ووقاراً، مستنداً إلى عصاه الخشبية، يحيط به هتافُ الرهبان المعجبين بعلمه الواسع وبلاغته الأدبية الصادحة. كان يوزع الابتسامات الوديعة، بينما قلبه ينبض بإيقاعٍ عسكريٍّ حذر.
فُتح الباب الخشبي الضخم ذو النقوش القبطية الغائرة، ودخل حافظ بخطواتٍ ثابتة، مرنة، تزاوج بين جلال الرهبان وخُيلاء الضباط، إلى قاعة العرش الكنسي.
على المقعد المرقوم العتيق، جلس البابا كيرلس الخامس؛ البطريرك المائة واثنا عشر في تاريخ الكنيسة. شيخٌ وقور، تجاعيد وجهه تحكي تاريخاً طويلاً من الصوم الباطني، والصلوات الممتدة، والعزلة عن بهرج الدنيا. عيناه الصغيرتان كانت تنبضان بنورٍ داخلي دافئ، تغوصان تحت حاجبين كثيفين أبيضين كالثلج.
لم يكن البابا يطالع تقارير الشرطة السرية، ولا تعنيه ملفات المخابرات البريطانية، لكنه كان يملك شيئاً آخر أشد فتكاً؛ “الفراسة” المصرية العتيقة والشفافية الروحية التي تخترق جُدر الصدور وتعرّي النوايا. كان ينظر إلى هذا الراهب الشاب القادم من أقاصي الصعيد، فلا يرى مسبحة ولا زهداً، بل يرى بريق الطموح الدنيوي، ولمعة السيف، وخلفية الصالونات الفرنسية التي لا تخفى على بصيرته.
سار حافظ، وقد تهيأ تماماً لتمثيل دور الراهب العالِم العازف عن الدنيا، وانحنى بجسده ليقبل اليد الأبوية للبطريرك تمهيداً لطلب البركة ونيل تزكية المطرانية التي سعى إليها بكل حيل الأرض.
لكن اليد لم تمتدّ.
ساد القاعة صمتٌ مفاجئ، كأن الهواء نَفِدَ من المكان، وكأن الزمن تجمد في مكانه. رفع حافظ عيناه ببطء ليلتقي بنظرات البابا. لم يجد في عين الشيخ غضباً نارياً، بل وجد سخريةً هادئة، باردة وعميقة؛ نظرةً مجردة، ثاقبة كأشعة الشمس، كشفت كل تنكراته في لمح البصر؛ أزاحت الجُبّة السوداء، ونزعت الصليب، وأظهرت الضابط، والنصاب، والجاسوس الكامن تحت المسوح.
تنحنح البابا كيرلس، وجاء صوته هادئاً، مستقراً، يحمل نبرة تهكمٍ وبصيرة نفذت كالخنجر:
«أنت يا مسيو… تعرف فرنسي وانجليزي وغلباوي! وتصلح لإدارة دولة.. لا لإدارة دير!»
وقعت الكلمات كالصاعقة، بل كطلقة رصاص صامتة في صدر حافظ. «مسيو»؟! كلمة واحدة نسفت عامين من الصلاة والتنكر والرهبنة في غياهب الصعيد. لقد كُشف القناع في ثانية واحدة بأمر الشيخ الفطن الذي هزئ بألاعيبه.
تابع البابا، وهو يشير بسبّابته نحو الباب الخشبي الكبير دون أن تهتز ملامحه الوقورة أو تتغير نبرته المستكينة:
«لا يدخل ملكوت الله بالغلبة والمكر، إنما بالإيمان والصلاح. ومن المستحيل أن تنال منصباً دينياً كبيراً وأنا على رأس الكنيسة الأرثوذكسية… إمشِ يا مسيو، أُخرج من قدامي.»
خرج حافظ نجيب من القاعة يجرّ أذيال خيبةٍ مدوية، كأن جبال المقطم قد هبطت فوق كتفيه دفعة واحدة. الهيبة التي دخل بها تبخرت في ممرات البطريركية، وبرودة الخوف المرير نفذت إلى عظام الضابط القديم الذي أدرك أن اللعبة قد انتهت، وأن أمر تنكره سيصبح غداً حديث المدينة.
لم يجد مأوى في ذلك الليل القاهري الموحش سوى بيت زعيم الحركة الوطنية وصديقه السري، محمد فريد.
دخل عليه بملابس الرهبنة السوداء التي باتت تضيق على أنفاسه ككفنٍ خانق. نظر إليه محمد فريد بأسى ممزوج بالغضب، وجلس وراء مكتبه الخشبي يطالع مسودات الصحف التي بدأت تهمس بفضيحة الراهب الذي ليس راهباً.
قال فريد بصوت مخنوق من شدة الحنق والأسف:
«لقد أفسدت كل شيء برعونتك وعجلك يا حافظ! ذهبتَ إلى الدير المحرق لتختفي وتعتزل العالم حتى ينساك الناس وتخمد ملاحقات الشرطة، ومن هناك خططنا لتصل إلى هدفك السياسي في الحبشة لتضرب الإنجليز في مقتل. لكن نزقك وأحلامك الصاخبة أحدثا ضجة كبرى تمنعك من البقاء في أي دير بعد اليوم. لقد خسرتَ الكنيسة، وخسرتَ الخطة الاستراتيجية، وخسرتَ نفسك!»
وقف حافظ نجيب أمام النافذة الزجاجية الكبيرة، يطالع شوارع القاهرة الصاخبة تحت ضوء المصابيح الخافتة، وهي تحتضن ليلها وتمضي غير مبالية بمشاريعه الكبرى المنهارة. شعر بأنه مثل ممثلٍ بارع أتقن الدور تماماً، لكن المخرج أنهى العرض قبل صعود الستار.
ببطءٍ شديد، حملت يده هدوءاً غريباً. رفع كفيه وفكّ “الإسكيم” المطوق لعنقه، ونزع قلنسوة الرهبنة السوداء عن رأسه، وألقاهما على الأرض بجوار حذائه كمن يلقي سلاحاً في معركة خاسرة.
التفت إلى محمد فريد، ولمعت في عينيه الحادتين جذوة المغامر الأبدي التي لا يمكن أن تطفئها الخيبات، وابتسم ابتسامة شاحبة، ساخرة، تحمل كبرياءً لا ينكسر وقال:
«سأخلع هذا الثوب يا صديقي… فالأرض واسعة، ومسرح الحياة لم يغلق أبوابه بعد. إذا كان البابا كيرلس قد حرمني بذكائه وفراسته من عرش الحبشة، فإن التاريخ لن يحرمني من قمتي. سأكتب كل شيء.. سأحبر مذكراتي بدقة. ليعلم العالم أنني لم أكن مجرد محتال، بل رجلٌ عاش ألف حياة، وألف موتها، في جسدٍ واحد.»
ومع خيوط الفجر الجديدة التي بدأت تغسل شوارع العاصمة، غادر “الراهب المسلم” الدار، لتبدأ مطاردة أخرى، في ثوبٍ جديد، واسمٍ جديد، متوارياً في زحام وطنٍ لا يكف عن إنجاب الأعاجيب الأسطورية.
لم تكن تلك الليلة نهاية “حافظ نجيب”، بل كانت مجرد إسدال ستارة على أحد فصول مسرحيته الكبرى. خلع مسوح الراهب ليرتدي ثياباً أخرى، ومضى في دروب الحياة كالإعصار؛ كتب للمسرح، وحبّر الروايات، وتنقّل بين صالونات الأدب وزنازين المعتقلات، وظلّ حتى رمقه الأخير لغزاً يعجز المؤرخون عن حله.
وفي عام 1946، حين وسّد ثرى مصر جسد ذلك المغامر العتيق، أُغلقت الدفاتر، لكن الحكاية لم تنتهِ.
لقد بقي “الراهب المسلم” حياً في ذاكرة الشوارع التي عبرها متنكراً، وفي أروقة الدير التي حفظت تراتيله، وفي قلب وطنٍ يشبهه تماماً.. وطنٍ يعرف كيف يرتدي ثوب الزهد والعبادة حين يشاء، لكنه يخفي تحت جُبّته دائماً روح مقاتلٍ عنيد، وعقل مفكر صاخب، وشغفاً بالحياة لا تطفئه الملاحم ولا تكسره الأغلال.
مات حافظ نجيب، وتبدد حلم عرش الحبشة، وظلّت مذكراته شاهداً على زمنٍ كان فيه الخيال يمشي على قدمين، وكانت فيه المواقف تُشترى بالعمر كله. رحل الرجل الذي عاش ألف حياة، وترك لنا حياةً واحدة تتأمل أعجوبته.. وتتساءل بذهول: كيف يمكن لقلب إنسان واحد أن يتسع لكل هذا الضجيج؟!










