تبدو المواطنة في جوهر الفلسفة السياسية كأكثر الروابط الإنسانية قداسة، فهي ذلك العقد الاجتماعي غير المرئي الذي يمنح الفرد ما أسمته الفيلسوفة هانا أرندت “الحق في امتلاك الحقوق”. غير أن هذه الرابطة التي يفترض فيها الثبات والاستقرار، تشهد في الفضاء الكويتي المعاصر تحولاً مقلقاً يضع مفهوم الانتماء بأكمله في مهب الريح. فمنذ منتصف عام 2024، وتصاعداً في عامي 2025 و2026، انزلق ملف الجنسية من مساحته الدستورية الآمنة ليتخذ شكلاً سلطوياً بالغ القسوة، تجسد في حملات سحب وإسقاط جنسيات واسعة النطاق طالت آلاف الأسر، بموجب قرارات ومراسيم متلاحقة أعادت صياغة معنى الهوية الوطنية وأفقدتها صفتها كحق أصيل لا يمكن المساس به.
ولفهم هذا التحول السريع، لا بد من العودة إلى الجذور القانونية الصارمة التي تأسس عليها قانون الجنسية الكويتي الصادر عام 1959. ورغم أن هذا القانون شُيّد تاريخياً على معايير مشددة تعتمد رابطة الدم من جهة الأب والعمق الزمني للتوطن، فإن القرارات الأخيرة التي تلت تعليق بعض مواد الدستور وحل مجلس الأمة لعام 2024 أحدثت قطيعة كبرى مع فكرة الأمان القانوني للمواطن. وتجلى هذا بوضوح في المرسوم الصادر عام 2026، الذي لم يكتفِ بتوسيع أسباب السحب لتشمل اتهامات مطاطة ومرنة مثل “المصلحة العليا للدولة” أو “تخلخل الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي”، وإنما شرعن أيضاً استخدام البصمة الوراثية والتقنيات البيومترية كأدوات تفتيشية تُطبق بأثر رجعي لإبطال ملفات عائلية استقرت لعقود طويلة. كما طال هذا الإجراء حقوقاً تاريخية كحق زوجات الكويتيين الأجنبيات في نيل الجنسية بالتبعية، مما جعل آلاف النساء يعشن في حالة قلق دائم وخوف من المجهول.
وليس هذا التوظيف العقابي لفكرة الجنسية ابتكاراً معاصراً، وإنما هو صدى لسياسات تاريخية مظلمة استعانت بها الأنظمة الشمولية والديكتاتورية عبر القرن العشرين لإخضاع معارضيها وتصفية حساباتها الاجتماعية والسياسية. فقد شرع النظام النازي في ألمانيا، عقب صعوده في ثلاثينيات القرن الماضي، في سن قوانين جردت مئات الآلاف من خصومه السياسيين واليهود من جنسيتهم الألمانية، محولاً إياهم إلى رعايا بلا حماية قانونية أو وجود معترف به تمهيداً لعزلهم الكامل. وفي الاتحاد السوفيتي، كانت الجنسية تُنزع بجرّة قلم من المعارضين والمثقفين البارزين، كألكسندر سولجنيتسين وليون تروتسكي، كعقوبة نهائية تهدف إلى نفيهم رمزياً وجسدياً خارج جدار الوطن وتجريد أفكارهم من شرعيتها الوطنية. وتتطابق هذه الممارسات أيضاً مع نموذج الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، حيث جردت الأقلية الحاكمة ملايين المواطنين السود من جنسيتهم الأصلية وحولتها قسراً إلى تبعيات في بؤر معزولة، ليصبحوا غرباء في أرض آبائهم بلا حقوق سياسية. وعلى الصعيد الإقليمي، تحمل الذاكرة العربية جرحاً مماثلاً عندما أقدم النظام البعثي السابق في العراق على إسقاط الجنسية عن مئات الآلاف من العراقيين بموجب اتهامات التبعية الأجنبية الجاهزة.
ومن هذا المنطلق، تذهب الدراسات الثقافية والنظريات النقدية الحديثة في الأوساط الأكاديمية الغربية إلى أبعد من المفهوم القانوني الضيق للمواطنة، لتطرح تساؤلاً جوهرياً حول ثنائية الهوية والجنسية. ففي أطروحات رواد دراسات ما بعد الاستعمار والتحليل الثقافي، مثل ستيوارت هول وهومي بابا، لا تُختصر الهوية الإنسانية في ورقة ثبوتية تصدرها أجهزة الدولة، وإنما تتشكل عبر ممارسات يومية وتراكمات اجتماعية وذاكرة جمعية تعيش في وجدان الجماعة. ويجادل هؤلاء المفكرون بأن حصر الانتماء في صك قانوني رسمي يمنح السلطة احتكاراً غير عادل لتعريف من هو “المواطن”، في حين أن الهوية الحقيقية تنمو بشكل عضوي وتتجاوز قدرة الإدارة على المنح أو المنع. ويتقاطع هذا الطرح مع أفكار “المجتمعات المتخيلة” للمفكر بندكت أندرسون، الذي يرى أن الأوطان تُبنى أولاً في مخيلة أفرادها عبر اللغة المشتركة والعيش اليومي والآمال والأحلام المتبادلة، مما يجعل رابطة الانتماء الثقافي والروحي عصية على الإلغاء بقرار فوقي.
علاوة على ذلك، تقدم أطروحات “المواطنة الثقافية” و”ممارسات الانتماء” بديلاً فكرياً يؤكد أن ممارسة الهوية داخل المجتمع أعمق بكثير من مجرد حيازة وثيقة سفر. فحتى عندما تلجأ السلطة إلى تجريد الفرد من غطائه القانوني والاجتماعي، مستخدمة ما يصفه الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين بسلطة إرجاع الإنسان إلى “الحياة العارية” الخالية من الحماية والحقوق، فإن الهوية الثقافية تظل قائمة كأداة للمقاومة والبقاء الإنساني. فاللغة، واللهجة المحلية، والذاكرة المشتركة، والأواصر العائلية والقبائلية التي تشكلت عبر أجيال متلاحقة لا يمكن مسحها من الوجود بجرة قلم، مما يثبت أن جوهر الهوية يظل متجذراً في الأرض والناس، مستمراً في العيش خارج جدران الدوائر الرسمية وأوراقها الحكومية.
تُظهر هذه الشواهد التاريخية والنظرية أن تجريد الإنسان من انتمائه الوطني يمثل السلاح الأشد فتكاً في يد السلطة المطلقة، كونه لا يستهدف الجسد بالقتل المباشر، وإنما يميت الكيان المدني والوجود القانوني للشخص، وهو الأسلوب ذاته الذي يعود للظهور اليوم في سياقات معاصرة وإن بأقنعة إدارية جديدة. وتتضاعف خطورة هذا النهج العقابي عندما يتجاوز الفرد المتهم ليصل إلى عائلات بأكملها؛ حيث تتدحرج قرارات السحب بأثر رجعي لتطال الأبناء والأحفاد الذين اكتسبوا الجنسية بالتبعية التلقائية. هذا الامتداد الوراثي للأثر العقابي يكشف عن أزمة عميقة في التعامل مع الانتماء كأداة للفرز والإقصاء، وتتضاعف هذه الأزمة في ظل غياب تام لرقابة القضاء المستقل، إذ تصنف المحاكم الكويتية مسائل الجنسية ضمن طائفة “أعمال السيادة” الخارجة عن سلطتها. هذا التحصين المطلق لقرارات السلطة التنفيذية يحرم الفرد من حقه الإنساني الأصيل في الدفاع عن نفسه، محولاً الجنسية من مركز قانوني ثابت ومحمي دستورياً إلى مجرد مكرمة مؤقتة قابلة للاسترداد بقرار إداري لا يمكن الطعن فيه.
أما على الصعيد الإنساني والوجداني، فإن الأمر لا يتوقف عند خسارة ورقة رسمية، وإنما يتخذ شكلاً تراجيدياً يعيد صياغة الكينونة البشرية من خلال ما يُعرف في فلسفة القانون بـ”الموت المدني”. أن يفتح الإنسان عينيه في صباح عادي، ليجد اسمه مسطوراً في الجريدة الرسمية كشخص سُحبت هويته، يعني ببساطة إلغاء وجوده الاجتماعي في لحظة واحدة. تُلغى بطاقته المدنية فوراً، وتتوقف معاملاته الإلكترونية كافة، ليفقد في لمح البصر أهليته للقيام بأي تصرف قانوني؛ فلا يعود بمقدوره بيع سيارته، ولا تجديد عقد إيجار سكنه، ولا حتى توكيل محامٍ ليمثله أمام الجهات الرسمية.
ويتلازم هذا التلاشي الإداري مع سحق مالي ومهني فوري، حيث تترجم المصارف تعميم البنك المركزي بتجميد كامل لحسابات الشخص المتضرر وأفراد أسرته، فيتحول في غضون ساعات من شخص مستقر مالياً ومستور الحال إلى فرد عاجز عن سداد ثمن احتياجاته اليومية الأساسية. ويتزامن هذا الحصار الخانق مع إنهاء فوري لعقد عمله وتصفية مركزه الوظيفي، ليمتد الحرمان إلى عصب الحياة اليومية للأسرة؛ إذ يُمنع المسحوبة جنسيته من العلاج الطبي المجاني، ويُطرد أبناؤه من المدارس والجامعات، ليجد الأطفال أنفسهم وقد أُخرجوا قسراً من مقاعد الدراسة ليواجهوا مصير الإقصاء والجهل المعرفي.
هذه العزلة المفروضة تلقي بالضحايا الجدد مباشرة في أتون مأساة “البدون” التاريخية التي تعاني منها البلاد بالفعل، ليتسع هذا الملف الحقوقي المأزوم بضم أجيال شابة جديدة كانت حتى الأمس القريب جزءاً من النخبة الأكاديمية والمهنية للبلاد. وعلى الصعيد الاجتماعي، تساهم هذه السياسات في تفتيت اللحمة الأسرية والروابط القبلية نظراً لتداخل المصاهرات والعلاقات العائلية، مما يورث وصماً اجتماعياً ونزاعات قانونية معقدة حول حقوق الحضانة والإرث والنسب، ويشيع في الوقت ذاته مناخاً من الشك والرقابة المتبادلة بين أفراد المجتمع بفعل تشجيع البلاغات والوشاية حول الهويات الوطنية.
إن الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب بالضرورة انتقالاً شجاعاً من المقاربة الأمنية الضيقة إلى رحاب العدالة والقانون المستقر. يبدأ ذلك بإخضاع كافة قرارات الجنسية لرقابة القضاء الإداري المستقل لتوفير ضمانات المحاكمة العادلة، وضرورة الفصل الصارم بين المسؤولية الجنائية الفردية والأثر الجماعي عبر ترسيخ مبدأ شخصية العقوبة وحماية الأبناء والأحفاد من تبعات أخطاء لم يرتكبوها، ووصولاً إلى الالتزام الحقيقي بالمواثيق الدولية المناهضة للتجريد التعسفي من الجنسية. ففي نهاية المطاف، عندما تصبح المواطنة مسألة خاضعة للتقلبات السياسية والقرارات الإدارية، يفقد الوطن صفته كملاذ آمن، ليتساءل كل فرد تحت سمائه عن موعد بزوغ الفجر الذي قد يجد فيه نفسه مجرداً من كل شيء.










