وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في قصر فرساي التاريخي بالعاصمة الفرنسية باريس أمس الأربعاء، النسخة الورقية من مذكرة التفاهم مع إيران لإنهاء الحرب، وذلك خلال مأدبة عشاء استضافها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على هامش قمة مجموعة السبع (G7). وقد دخلت الاتفاقية المكونة من الأربعة عشر بندًا حيز التنفيذ فورًا عقب التوقيع عليها إلكترونيًّا ورقميًّا من قِبل رئيسيّ البلدين.
لم يَكن عشاء قصر فرساي مجرد لقاء دبلوماسي بروتوكولي عابر بين الرئيسين الأمريكي والفرنسي؛ بل تَجَسَّدَ في لحظةٍ تاريخيةٍ فاصلةٍ ومنصة دبلوماسية استثنائية مهدت الطريق لأحد أبرز التحولات السياسية في القرن الحادي والعشرين.
وتُسدل مذكرة التفاهم الستار على أربعة أشهر من المواجهات العسكرية المحتدمة في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مُعلنةً بذلك انطلاق مسار دبلوماسي شاق يمتد لـستون يومًا للوصول إلى اتفاق نهائي.
وعكس التوقيع رغبة واشنطن في إضفاء غطاء دولي وأوروبي على التفاهمات الأخيرة. ورغم أن الوساطة الباكستانية كانت أساسية في إبرام الاتفاق، إلا أن تبنيه من قبل فرنسا، والدعم الجماعي الذي أبداه قادة مجموعة السبع ومصر، منح المسار زخمًا وشرعيةً دوليةً وسط آمال أوروبية بتحقيق استقرار فوري لأسواق الطاقة وتأمين خطوط الملاحة العالمية.
وحيث أنَّ المذكرة كونها مجرد هدنة مؤقتة؛ إذ تضع بنودها الأربعة عشر مبادئ هيكلية لإعادة صياغة مشهد الاتفاق، وإنهاء العمليات العسكرية على كافة الجبهات بما فيها الجبهة اللبنانية مع ضمان سيادة لبنان ووحدة أراضيه.
وفي سياق الاتفاق المبرم، تلتزم واشنطن بالرفع التدريجي للحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية وصولًا إلى إزالته كليًّا خلال ثلاثين يومًا، وذلك مقابل تعهد طهران بضمان العبور الآمن والمجاني للسفن عبر مضيق هرمز، والشروع في عمليات مسح وإزالة الالغام البحرية.
في حين جددت إيران التزامها بعدم تطوير أو امتلاك أي أسلحة نووية، مع موافقتها على تخفيض مخزون اليورانيوم عالي التخصيب تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتتجه واشنطن في المقابل إلى رفع العقوبات وتسهيل تصدير النفط الإيراني، إلى جانب بلورة خطة دولية مدعومة من حلفاء إقليميين لإعادة إعمار إيران، بتمويل استثماري لا تقل قيمته عن ثُلاثمائة مليار دولار.
ورغم الأجواء الاحتفالية التي خُيّمت على قصر فرساي، وصف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو للاتفاق بأنه لحظة محورية في التاريخ، إلا أن لغة الواقعية السياسية سرعان ما فرضت كلمتها. فما إن غادر الرئيس ترامب مأدبة العشاء حتى أكدَّ أن الاتفاق ليس نهائيًّا، موجهًا تحذيرًا شديد اللهجة لطهران بأنهُ مستعد لاستئناف الضربات العسكرية وإمطارها بالقنابل فورًا ما لم تلتزم إيران بـالسلوك القَوِيم.
بينما يَرى قادة مجموعة السبع في باريس أن هذا الاتفاق فرصة ذهبية لإنقاذ الاقتصاد العالمي وحظر السلاح النووي.
حيث تلقت عواصم أخرى الخبر بمزيج من التوجس والرفض، واعتبرت إسرائيل تضمين الملف اللبناني في الاتفاق دون تلبية شروطها الأمنية الحيوية بمثابة تخلٍ أمريكيّ عنها، في حين أعلن حزب الله اللبناني أن التوقيع يمثل انتصارًا كبيرًا لمحور طهران الذي فرض شروطه لوقف إطلاق النار.
وخلاصة القول:
إنَّ تفاهم فرساي يمثل الرهان الأكبر للإدارة الأمريكية الحالية؛ فهو إما أن يقود المنطقة إلى سلام دائم عبر مفاوضات الستون يومًا المقبلة، أو يُمهد الطريق لجولة صراعٍ أكثر عنفًا إذا ما انهارت هذه التفاهمات الهَشة عند أول اختبار.
حيث أثارت مذكرة التفاهم التي وقعتها الولايات المتحدة وإيران موجة استياء واسعة داخل الحكومة الإسرائيلية والأوساط السياسية والأمنية؛ حيث وصفتها تل أبيب بـالصفقة الكارثية، واعتبرتها طعنةً في الظهر. ويعود هذا الامتعاض الإسرائيلي إلى تجاهل الوثيقة للتهديدات الإيرانية الجسيمة، إذ لم تتطرق إلى برنامج إيران الصاروخي، أو ملف طائراتها المسيرة، أو دعمها للفصائل الإقليمية. علاوة على ذلك، صاغت واشنطن المذكرة دون مشاركة أو استشارة تل أبيب، ورفضت الإدارة الأمريكية السماح للمسؤولين الإسرائيليين بالاطلاع على نصها الكامل قبل التوقيع. والأكثر إثارة للقلق بالنسبة لإسرائيل، هو إلزام المذكرة لها بوقفٍ فوريّ للعمليات العسكرية على جميع الجبهات بما فيها لبنان، وهو ما اعتبرتهُ تل أبيب تكبيلًا لحملتها ضد حزب الله. وبذلك يُشكل هذا الاتفاق نقطة تحول كبرى للسياسة الأمريكية في إعادة ترتيب التحالفات الدولية، وسط تباين حاد في الرؤى بين الإدارة الأمريكية وحكومة الاحتلال الإسرائيلي.
الباحث في الشؤون السياسية والتربوية.










