كتب الناقد العَلَم الراحل الدكتور جابر عصفور، في العام ١٩٨١م، أي منذ ما يقرب من نصف قرن، دراسة قيمة، فريدة، مؤسِّسة في نقد النقد، أو بتعبيره، ما بعد النقد، جاءت تحت عنوان: “نقاد نجيب محفوظ.. ملاحظات أولية”، ونشرت في مجلة فصول العريقة، برئاسة الناقد الكبير المفكر والمترجم المرموق د.عز الدين إسماعيل، في ذلك الوقت.
في تقديري، تُعد هذه الدراسة إرهاصا ببداية الاهتمام بدراسة نقد النقد في مصر والعالم العربي، وبدايات الاهتمام بعد ذلك أيضا بنظريات القراءة عربيا؛ فرأينا ظهور دراسات متعددة، أكاديمية، ومقالات في المجلات والصحف السيارة المتعلقة بهذا الشأن.
ففيما يتعلق بالتركيز على نظريات القراءة، ومستويات وفلسفات القراءة للنص الأدبي والتراث، تحديدا، ظهرت دراسة قيمة أعدها تلميذه النجيب الناقد الكبير د.مصطفى بيومي عبدالسلام، هي في أصلها رسالته الأكاديمية عن قراءة التراث ومستوياتها في ضوء النقد الحديث، وظهرت في كتاب بعنوان: “دوائر الاختلاف: قراءة التراث النقدي”، ثم توالت دراساته بعد ذلك، فأصدر كتابه القيم “فتنة القراءة .. مقاربات تأويلية في الشعر والسرد والنقد الشارح”، ثم كانت قراءاته واهتمامه أخيرًا بالنقد الثقافي، تنظيرًا، وتطبيقًا وترجمةً.
ونظرا لأهمية هذه الدراسة وغيرها من دراسات ومؤلفات الراحل الكبير د.عصفور، أنجز الباحث المغربي، الناقد الكبير الآن، الدكتور يحيى بن الوليد دراسة الدكتوراه عن خطاب جابر عصفور النقدي، والتي نشرت في كتاب تحت عنوان: “التراث والقراءة.. دراسة في الخطاب النقدي عند جابر عصفور”.، وهي دراسة علمية قيمة تتناول منهج جابر عصفور وروافده في قراءة التراث النقدي، وكذلك خطابه النقدي الحديث.
وفي هذا الإطار أصدر الناقد الكبير د.محمد زيدان كتابه المهم أيضا عن منهج د.جابر عصفور، وجدلية التراث والمعاصرة عنده، تحت عنوان: التفكير النقدي والخطاب الأدبي: جدلية التراث والمعاصرة عند جابر عصفور”، وكما أشار المؤلف ينقسم الكتاب إلى خمسة فصول، يتناول الفصل الأول منها محددات التفكير النقدي، والفصل الثانى آليات التفكير النقدي، والفصل الثالث يتحدث عن الوعى بالنظرية فى كتاب قراءة النقد الأدبى، وأما الفصل الرابع فيتناول الوعى بالواقع والنص فى خطاب زمن الرواية، وأخيرا الفصل الخامس يتحدث نقد النص فى كتاب مواجهة الإرهاب.
وفي العام ٢٠٠٦م، صدر عدد من مجلة فصول، برئاسة تحرير د هدى وصفي فتات الفترة، خُصص لأدب نجيب محفوظ، ومن خلال الاطلاع على دراسات والمقالات المنشورة في هذا العدد، لمست تأثير الحجر الكريم الذي ألقاه جابر عصفور في تلك البحيرة الهادرة الموج بدراسات نقد النقد، ومنها دراسات قيمة جدا انقاد عرب ومصريين، وترجمات بديعة عن أدب محفوظ، أذكر منها دراسات: محمد مريني، عن “نجيب محفوظ في النقد الحديث (النقد الاجتماعي نموذجا)”، وفاروق مغربي، عن “نجيب محفوظ والمناهج النقدية.. القاهرة الجديدة نموذجا”، بالإضافة إلى دراسات تناولا أعمال محفوظ بعمق، ومنها: “حكاية بلا بداية ولا نهاية.. تحولات المركز” ، لأيمن بكر، و”الفضاءات والشفرات..قراءة في حضرة المحترم، للدكتور محمد العبد”، و”تلاشي الإيديلا حول متصل الزمان/المكان في روايات نجيب محفوظ”، للدكتور حسين حمودة، الذي اشتغل عليها بتوسع وعمق وتشويق في كتابه القيم “في غياب الحديقة.. حول متصل الزمان والمكان في روايات نجيب محفوظ”… إلخ من دراسات في هذا الصدد.
إلى غير ذلك من الدراسات التي صدرت عن د.جابر عصفور، وهي كثيرة ومتعددة المحاور، نرجو أن يتاح لنا الوقت، إن شاء الله، للحديث باستفاضة عن أثر جابر عصفور النقدي في نقاد الأجيال التالية له.










