في نصها الروائي الشاعري “على ضفاف الشوق”، لا تقدم الكاتبة هدى حجاجي أحمد مجرد وصف لحالة الشوق، بل تُجري تشريحاً عميقاً لمكانة الغياب في الوجدان. النص برمته هو محاولة لتحديد الإحداثيات الدقيقة للروح بعد أن يمر بها شخص مؤثر ثم يمضي، تاركاً إياها في حالة من الإقامة الجبرية على “تلك الضفاف”.
1. الهروب إلى الداخل: تشكيل صورة القلب
تفتتح الكاتبة نصها بصورة بكر للقلب وهو “يسيلُ رويدًا / كجدولٍ خجولٍ / هربَ من صخبِ الجبال”. هذه الاستعارة ليست عابرة؛ إنها تمثل عملية انسحاب للذات من الضجيج العقلاني أو الاجتماعي (“صخب الجبال”) بحثاً عن الأمان الحسي (“ظلِّكِ بينَ الحقول”). هنا، يتحول القلب إلى كائن حي هارب، والهروب يصبح فعلًا إرادياً لتصفية العاطفة. هذا الشعور بالاتصال يتجسد لاحقاً في فكرة أن الريح نفسها تحمل الرسائل قبل كتابتها، مما يؤسس لمستوى عالٍ من التخاطر الروحي بين الطرفين.
2. مفارقة الشوق المزدوج: التردد الوجودي
النص يصل إلى ذروته الفلسفية في التساؤل الموجه إلى الغائب: “كيفَ تستطيعُ أن تُوقظ فيَّ الندى / وأنا لم أعد أُفرّقُ / بينَ حنينٍ يوجعني / وحنينٍ ينهضُ بي من الرماد؟” هذا ليس مجرد سؤال، بل هو إقرار بالمفارقة الجوهرية للشوق. الشوق هنا ليس شعوراً واحداً، بل قوتان متعاكستان: قوة هادمة تُسبب الألم، وقوة دافعة تُعيد البناء وتمنح القدرة على النهوض (الندى/الرماد). الكاتبة هنا تشرح آليات الروح التي تتعذب وتتشبث بالحياة في الوقت ذاته، مما يعطي النص عمقاً إنسانياً بعيداً عن الرومانسية السطحية.
3. تقنيات التعايش مع الأثر
تتحول العزلة، في النص، إلى عملية إبداعية وليست فراغاً. الكاتبة تستخدم مصطلحات توحي بـ “تطويع” الوحدة والألم: “تعلمتُ أن أطهو وحدتي في قدورِ الليل”. هذا الفعل، “الطهو”، يجسد معالجة للحالة الوجدانية، حيث تصبح الوحدة مادة خام يتم تحويلها. كما يتم “توزيع ضوضاء الروح” على أجزاء من الكون، مما يشير إلى محاولة لتبديد الاضطراب الداخلي وتخفيف وطأته، عبر استدعاء عناصر الطبيعة (الغيمة، النجمة) لتشاركها الحمل.
4. الوجع كبناء سردي
يشتد الألم عند وصف طبيعة علاقة الطرف الآخر، فهو يأتي “بلا ميعاد”، ويختلس من القلب “أكثرَ مما يليقُ بالعابرين”. هذا الاعتراف، المباشر والصادق، يوضح كيف يمكن لشخص عابر في الزمن أن يترك أثراً أصيلاً ومهدماً في البنية الداخلية للإنسان، ليترك “ضلوعًا امتلأت بوقعِ خطواتك”. هنا، يتحول الأثر الصوتي لحركته (وقع الخطوات) إلى حمل مادي يثقل على الضلوع، وهو تجسيد بديع ومؤثر لبقاء الذاكرة الحسية.
وفي الختام، تعترف الكاتبة بأن الإقامة على تلك الضفاف مستمرة، حيث تُؤدى طقوس تنقية الذاكرة اليومية: “أكنسُ آثارَك عن الماء، وأغسلُ وجعي بسقايةِ اسمك”. هذا الاسم يصبح هو الملاذ الأخير، وهو بمثابة نبع يروي الروح. إن النص ينجح في أن يكون تحليلًا أدبياً لقصة وجدانية عميقة، تُثبت أن قوة الذاكرة تتفوق على منطق الغياب، وأن الحب الباقي هو ما يُبنى على أصداء خطوات الراحلين.
النص
على ضفافِ الشوق
على ضفافِ الشوقِ
كنتُ أتركُ قلبي يسيلُ رويدًا
كجدولٍ خجولٍ
هربَ من صخبِ الجبال
ليبحثَ عن ظلِّكِ بينَ الحقول.
كنتُ أسمعُ خُطاك
تتردّد في فؤادي
كما لو أنَّ الريحَ
تقرأُ رسائلي
وتحملُها إليك قبل أن أكتبها.
يا أنت…
يا مَن تتكئُ روحي على صمتِه
كيفَ تستطيعُ أن تُوقظ فيَّ الندى
وأنا لم أعد أُفرّقُ
بينَ حنينٍ يوجعني
وحنينٍ ينهضُ بي من الرماد؟
على ضفافِ الشوق
تعلمتُ أن أطهو وحدتي
في قدورِ الليل،
وأوزّعُ ضوضاءَ روحي
على نجمةٍ،
على دهشةٍ،
على غيمةٍ لم تَتعلّم بعد
كيف تحبسُ مطرها.
وأنت…
كنتَ تأتي بلا ميعاد،
تختلسُ من قلبي
أكثرَ مما يليقُ بالعابرين،
ثم تمضي…
وتتركُ لي ضلوعًا
امتلأت بوقعِ خطواتك.
يا كُلَّ البداياتِ التي لم تبدأ…
وكل النهاياتِ التي لم تُكتب…
تعالَ قليلًا
لأخبرك أنني
ما زلتُ أقيمُ على تلك الضفاف،
أكنسُ آثارَك عن الماء،
وأغسلُ وجعي
بسقايةِ اسمك
كأنهُ آخرُ ما تبقّى من الندى.
على ضفافِ الشوق
أعترف…
أنني ما زلتُ أحبُّك
كما لو أن الكونَ
يبتدئ من عينيك،
وينتهي عند كفّيك
حين تلامسانِ
ذاكرتي.











