يشهد مجتمعنا المعاصر حالة من الجدل الواسع حول تراجع منظومة القيَّم والأخلاق الأصيلة التي طالما تميزت بها الشخصية المصرية؛ حيث يرى الكثيرون أنَّ كثيرًا من المبادئ السامية قد توارت، وباتت مجرد ذكريات من الماضي. وفي المقابل، طفت على السطح سلوكيات وقيَّم دخيلة وسلبية، تصدرتها مشاعر الحقد والكراهية، مما يستدعي وقفة مجتمعية جادة لاستعادة هُويتنا الأخلاقية.
ومما لا شك فيه أنَّ ما يردده الكثيرون يمثل واقعًا بَدا جَليًّا بشقيه: انحسار الكثير من القيم النبيلة، وتفشي العديد من القيم الدونية، وعلى رأسها مشاعر الحقد بين الناس. غير أننا نُوقن بأنَّ لهذا الوضع أسبابًا، ولهذه النتيجة جذورًا؛ بل إنَّ هناك نَهجًا ممنهجًا ساهم في تراجع القيم السامية وظهور نَقَائِضها، وتصاعد موجات الكراهية بين مختلف الفئات والطبقات.
ففي المجتمعات الواعية التي تدرك كُنه الأشياء وتَعي خلفيات الشهرة والنجاح، حيث تقترن تلك المكانة بالجهد الدؤوب، والتميز والإبداع، وتوظيف القدرات والمواهب الاستثنائية؛ يتقبل المجتمع هذا التفوق بكل ترحاب. فهذا النجاح يُعَد ثمرةً طبيعيةً لمُعطيات مرئية وجهود ملموسة، مما يجعلهُ في نظر الجميع إنجازًا مستحقًا، يحظى بأسمى آيات التقدير، والإكبار، والاحترام.
وحين يتأمل السواد الأعظم من الناس في مسيرة العظماء والناجحين، مُستجلِينَ قصص الجهد والكفاح، ومُستقرئين عناصر التميز والكفاءة التي أوصلتهم إلى الشهرة والقيادة والمناصب العُليا؛ فإنَّهم يتقبلوا ذلك ويُقِروه عن طيب خاطرٍ واقتناعٍ تام؛ مُدركين أنَّ هذا النجاح ليس وليد الصدفة أو الحظ العابر، بل هو ظاهرة طبيعية، وثمرة طيبة لجَهدٍ دؤوبٍ، ومصداق حَيّ لقاعدةِ السعي والاستحقاق في الحياة.
أما عندما تتبدل الأحوال وتُبنى الشهرة والنجاح على أسس من العلاقات الشخصية، واستغلال النفوذ، والانتهازية، والفساد، والغموض؛ فإننا حتمًا سنشهد ظهور ظاهرتين واستفحالهما:
الظاهرة الأولى: تتمثل في ازدراء الناس للعديد من نماذج الشهرة والنجاح، وشعورهم بأن أصحابها يجنون ثمار أساليب ملتوية دُبرت في الخفاء، وكانت هي السبيل الوحيد لبلوغهم هذه المكانة.
أما الظاهرة الثانية: تتمثل في عدم الاعتراف بأحقية هؤلاء بما وصلوا إليه؛ وهو شعور مبرر نابع من الاعتقاد بأنهم لا يستحقون ما بين أيديهم، وما يصاحب ذلك من حقد عليهم لاعتبارهم مُختطفي فرص لا رجال كفاح، وعرق، وذكاء، وثقافة، وإمكانيات متميزة. ويُضاف إلى ذلك تفشي الطمع فيما يحققه هؤلاء من شهرة ونجاح؛ إذ لسان حال الناس يقول: إذا كانت الشهرة والنجاح تأتي بهذه السهولة والغموض لغيرنا، فلِمَ لا تكون من نصيبنا نحنُ أيضًا؟!.
وخلاصة القول:
إنَّ الأخلاق ركن أساسيّ من أركان الوجود الاجتماعي، ونسق حيويّ في نسيج الحياة الإنسانية المعاصرة. فهي منظومة قيميّة تُوجه حياة الفرد، وتنهض بها إلى أرقى المراتب الإنسانية. ولا يحقق الإنسان جوهره إلا بتمسكه بالفضيلة؛ إذ هو الكائن الوحيد بين سائر المخلوقات الذي يُخضع رغباته وشهواته لسموّ غاياته، سعيًا لتجسيد الحق، والخير، والجمال، والشرف، والكرامة، والإيثار، والتسامح، والشجاعة؛ وهي القيَّم التي تشكل جوهر الحياة الأخلاقية وغاية الوجود.
الباحث في الشؤون السياسية والتربوية.










