تُشكل العلاقة بين المذاهب الاقتصادية والنزاعات الاجتماعية محركاً أساسياً للتاريخ؛ حيث أدى انتشار نظريات مثل الاشتراكية إلى تغيرات جذرية في هيكل السلطة وتوزيع الثروة، مما تسبب غالباً في صراعات بين الطبقات العاملة والنخب الحاكمة، وساهم في صياغة قوانين العمل الحديثة والتوازن الطبقي.
وعندما نتحدث في مسألة القبول والاستنكار لليبرالية فإن الشيء نفسه محل القبول ومصدر الرفض أو الاستنكار إنه مفهوم الحرية الليبرالي الذى يقبل على الإيمان به من يريد آفاقا منفتحة للحريات المدنية ومصدر الرفض هم أولئك الذين لا يفهمون من الحرية الليبرالية سوى مجال الحريات الإباحية أو التحرر الجنسي هذا من ناحية ,ومن ناحية أخرى , وللحق ارتبط التاريخ الليبرالي بالاستعمار ونهب ثروات الشعوب والليبرالية المتوحشة بتعبير د. رمزي زكى لكن هذا التاريخ السياسي / الاقتصادي ليس هو كل تواريخ الليبرالية إنما ثمة تواريخ أخرى تقترن بظهور الطبقة الوسطى التي ما كانت تحقق وجودها إلا في صحبة فكرية ليبرالية .
يظل أخطر ما فى هذه التطورات هو سقوط نظرية الديمقراطية النيابية ذاتها على أساس أنها -كما تم إثبات ذلك فى الممارسة- لم تكن سوى نظام زائف لمصلحة الطبقات العليا، فى حين أن الطبقات الوسطى والفقيرة أصبحت تعانى أشد المعاناة. بعبارة أخرى، لم تعد حملات الترويج المنظمة للديمقراطية النيابية باعتبار أنها خير تمثيل لفئات الشعب المختلفة صالحة، ولذلك انقلبت الجماهير على هذه الصيغة الديمقراطية الزائفة. من هنا، نشأ الإقبال الشديد على «الشعبوية» التى يقودها سياسيون أو رجال أعمال لم يعملوا بالسياسة من قبل، وأبرزهم، والمتداول على الساحة العالمية المليونير «دونالد ترامب» الذى أصبح -عكس كل التوقعات السياسية- رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية للمرة الثانية، ومورست بحقه ممارسات أدت إلى إسقاطه فى الدورة السابقة، ممارسات يراها رواد تأليه النموذج الأمريكى غاية الليبرالية، فى الوقت الذى يعتبرها منتقدوها إثباتا واضحا لانكشافها.
فالولايات المتحدة، وهى تسعى جاهدة للتباهى بمزايا نموذجها الديمقراطى، قد كشفت عن قيود وأوجه قصور متعددة، بما يجعلنا نشير إلى أنه لا ينبغى ولا يمكن أن تكون هى النموذج الوحيد والنهائى لنظم الحكم الحديثة، أو الحقيقة المطلقة للديمقراطية وحقوق الإنسان، التى يجب أن تراعى الحقوق العادلة لشعوب العالم الثالث فى الجنوب فى الحصول على الأبعاد الشاملة للتنمية البشرية المستدامة، وفقًا لخصوصية تجربة كل دولة.
فى هذا الإطار، لا ينبغى أن نغفل عن أن الديمقراطية الأمريكية التى بناها دستور الولايات المتحدة هى نتاج للرأسمالية التى تطورت إلى مرحلة تاريخية معينة، وتمثل فقط مصالح عدد قليل من الرأسماليين وتخدمها. وليس من الصعب تفسير سبب وجود عدد كبير من الأنظمة والممارسات التى لا تلبى متطلبات الديمقراطية منذ فترة طويلة وفقًا للنموذج الأمريكى، وبالتبعية فى محاولة فرضها كنموذج للحكم على باقى دول العالم. فالحقيقة التي يجب أن نعيها أن قطاعات من الأمريكيين ذوى المستوى الاقتصادي المنخفض والجماعات المحرومة لم يتقاسموا حقًا ثمار الديمقراطية، لكنهم عاشوا على هامش الحياة السياسية لفترة طويلة، وهو الأمر الذى أدى عند محاولة فرضه على الشعوب العربية إلى تفاقم أزماتها الهوياتية واختفاء ملامح مؤسسيتها. حقيقة أخرى لا ينبغي أن نغفل عنها، وهى أن الولايات المتحدة لديها معايير مزدوجة واضحة في تعاملها مع حقوق الإنسان، وسياسة الشارع، وحرية الإعلام. فبمجرد أن تهدد الديمقراطية مصالح الولايات المتحدة، فإنها لا تتردد في التحرك في الاتجاه المعاكس للديمقراطية. وهو الأمر الذى أثبتته الانتخابات الأمريكية الرئاسية أكثر من مرة، أو الحرب الأوكرانية الجارية، أو الموقف من القضية الفلسطينية، أو المواقف تجاه أزمات الدول العربية الوطنية التي دخلت في تصنيف الدول الفاشلة بدءًا من العراق وانتهاء بسوريا،
حيث إن الولايات المتحدة من المنبع قد أنهت إلى غير رجعة مقولات الرأي والرأي الآخر، وحرية التعبير، حيث إنها بكبسة على لوحة التحكم في إدارة المواقع الإخبارية، ومواقع الفيديو، ومنصات التواصل الاجتماعي، قد قامت بعملية «نفى الآخر»، في ممارسة عملية للإمبريالية في أفج صورها.
ومن ثم، فإن منطلق الورقة المعرفي والفكري من ناحية، ومنهاجية عرض مكوناتها الموضوعية من ناحية أخرى، تطرح منظومة الأسئلة التراكمية التالية:
ما موضع الأزمة العالمية الاقتصادية الراهنة من أزمات النظام الرأسمالي العالمي خلال القرن العشرين، وما قبله من قرون نشأةٍ ونموٍ وذروةٍ، ثم بداية تراجع وخبو النظام الرأسمالي العالمي؟
هل الأزمات العالمية أزمات اقتصادية بالأساس؟ أين موضع الأبعاد الأخرى للظاهرة الاجتماعية والإنسانية التي تضربها هذه الأزمات؟ لماذا تتغلب الأبعاد الاقتصادية المالية للنظم بدرجة أساسية، أين الأبعاد الحضارية للأزمات العالمية؟!
ألا تحتاج الأزمات الاقتصادية العالمية للنظر والتدبر في سياق أوسع وأشمل تاريخيًا في إطار دورة الحضارة أو الدولة، وكذلك في إطار يجمع هذه الأزمات بمنظومة من الظواهر اللصيقة (مثل الحروب الكبرى والصغرى وحالة القوى المهيمنة الكبرى وحالة التابعين) على صعيد نفس النظام العالمي الرأسمالي، أو النظام العالمي الإسلامي في دورته الحضارية من الذروة إلى التراجع؟
هل النظام الرأسمالي العالمي يمر -في ظل هيمنة أمريكية متدهورة الآن- بنهايات دورة الهبوط التي بدأت منذ قرن (بعد الحرب العالمية الأولى)، وبعد أن أخذت دورة الصعود قرنين (السادس عشر والسابع عشر) ودورة الذروة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر؟
وما الآفاق أمام العالم الإسلامي بعد مرحلة المخاض الشديدة الراهنة منذ نصف قرن تقريبًا؟ وماذا تقدم لنا الذاكرة التاريخية عن دورة قيادته الحضارية للعالم وعن طبيعة النظام العالمي خلال دورة الصعود والهبوط لهذه القيادة على حد سواء؟ وكيف انعكست الرؤية الإسلامية على النموذج النظري والتطبيقي للاقتصاد العالمي في ظل هذه الدورة؟ هل تقدم هذا الذاكرة نماذج مختلفة الدلالة عن النماذج في ظل ذروة النظام العالمي الرأسمالي؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة التي تجمع بين المعرفي والتطبيقي، وبين المعاصر والتاريخي، وبين الداخلي والخارجي تستدعي وتتطلب منظومة متشابكة من المقارنات من رؤى وضعية واقعية وأخرى إسلامية، وتقع في قلب هذه المنظومة أمور منهاجية هامة تمثل خيوطًا ناظمة عبر الدراسة:
* الذاكرة التاريخية، الغربية والإسلامية.
* الرؤى المعرفية التأصيلية المقارنة هي ميزان الواقع التاريخي والمعاصر.
* إشكالية العلاقة بين الاقتصاد وغيره من أوجه الظاهرة الاجتماعية، هل هي علاقة منظوميه أم علاقة بين سبب ونتيجة؟ بعبارة أخرى هل نتحدث عن اقتصاد مادي أم اقتصادي حضاري؟
* ما منطق العلاقة من القيم/ الأخلاق وبين القوة والمصلحة؟
* وأخيرًا إشكالية العلاقة بين الداخلي والخارجي.
إن الذاكرة التاريخية وخاصة للأبعاد الحضارية للأزمات الاقتصادية (العالمية وغيرها) تلعب دورًا هامًا على صعيدين: من ناحية التنظير لدورات الصعود والهبوط (للدول، الإمبراطوريات، الحضارات)، على نحو يزيد من القدرة على فهم الأزمات السيارة والراهنة المعاصرة؛ لأن هذه الأزمات ليست مفاجئة ولأنها تبدأ داخلية وإقليمية حتى تصبح عالمية وفي مسار تاريخي ممتد. ومن ناحية أخرى: التخطيط الحضاري الرشيد لكيفية التغيير إصلاحًا وتجديدًا وليس استبدلًا بسرعة وفجائية.
والجدير بالذكر هنا أن دوافع وأهداف هذا الاستدعاء للذاكرة التاريخية ومنظومة الأبعاد الحضارية للأزمات الاقتصادية (في هذه الدراسة التمهيدية)
إنما ترتبط بحال ومآل العالم الإسلامي الراهن وآفاق إصلاحه بالأساس، وليس إصلاح النظام الرأسمالي العالمي الراهن فقط. فإن هذه الذاكرة تبين أن الوضع المتردي الحالي لهذا العالم ليس مفاجئًا، فهو نتاجُ تراجعٍ ممتد بعد ذروة حضارية صاعدة،
كما أنه ليس حتميًا ونهائيًا ولكن يمكن تجاوزه والتغلب عليه وفق شروط السنن الإلهية. كما تبين الذاكرة التاريخية من ناحية أخرى أن طبيعة النظام الرأسمالي العالمي ليست هي الطبيعة الوحيدة العالمية للنظم العالمية، فلقد سبقته نظم حضارية مختلفة مرت بدورتها الحضارية، ومن ثم فإن هذا النظام الرأسمالي ليس حتميًا ونهائيًا.
وعلى ضوء هذه الأهمية للذاكرة التاريخية، نجد أنها يجب ألا تنفصل، بل تؤسس لرؤية استشرافية لمستقبل التغيير العالمي.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










