اسمحوا لي – سادتي – أن نكسر التابوت ، ونخرج قليلاً من همومنا ، إلي عالم ساحر بديع ، رحب وسيع ، هو عالم القُبلات !!.
فإن للقُبلات عالمها ، ودنياها المَسكوت عنها ، خجلاً أو حياءً أو تسليماً !!.
ولنعلم بأن القُبلات لاتقتصر على الإنسان فقط ، وإنما تمارسها الحيوانات أيضاً ، عَضاً في الرِقاب في زمن التكاثر والاخصاب ، وكذلك الطيور ، حين تلتقي مناقيرها ، كمقدمة لاحتواءٍ كُليّ يُذيب الجليد ، ويُبعثر الريش ويُعلن انتصار الحب والحياة !!.
حتى هسهسات الريح عبر أغصان الشجر قُبلات ، لَثم شغالات النحل لثغر الزهور قُبلات ، مرور النسيم على صفحة الماء قُبلات ، طيران حبوب اللقاح في الهواء سَفراً إلى مَتاع الأزهار قُبلات ، حطّ الفراشات على أوراق الشُجيرات النابتة قُبلات !! .
أما الإنسان ، فقد لعبت القُبلات في حياته دوراً خطيراً ، فهي تنقسم عنده إلى قُبلات غريزية وقُبلات غير غريزية ، أما الغير غريزية فإنها تتجلي في قُبلات الاحترام والتوقير ، وقُبلات الوداع للمسافرين ، والتحايا ، وتبجيل العلماء ، وتقبيل الكتب المقدسة ، كما أن المصري هو الإنسان الوحيد دون خلق الله ، الذي يُقبل ظهر يده عندما يقبض نقوداً ، أو يسأله أحد عن حاله ، مُبدياً حمده لله وشكره ، كما يُقبل قطعة الخبز المُلقاة في الطريق وهو يرفعها !! .
لكن العالَم الأكثر إثارة وغموضاً ، هو عالَم القُبلات الغريزية بين المُحبين والعُشاق ، ويتجلي فيها منتهى التعبير عن الشوق واللهفة والحب ، وتكون على الخدين خاطفة مَسروقة ، وعلى الشفاه ذَوباناً وغِياباً وصَبابةً واحتراقاً !!.
والغريب أن الشاعر العربي ، ومنذ الجاهلية الأولى ، لم يتورع عن ذكر تقبيله لمعشوقته ، مُعلناً ذلك دونما حَرج :
فهذا { امرؤ القيس } الشاعر الملك الفارس يقول : ( فقبلتُها تِسعاً وتِسعين قُبلةً / وواحدةً أخرى وكُنت على عَجَل [ كان مستعجل بسلامته ] ، وعانقتُها حتى تقطّع عِقدُها / وحتى فُصوص الطَوق من جِيدها انفصل ، كأن لآلئ الطَوق لمّا تناثرت / ضياءَ مَصابيح تطايرن من شُعَل ) !!.
أما { يزيد بن معاوية } الذي صارت إليه خلافة المسلمين بالوراثة بوصيّة { معاوية } أبيه فيقول : ( وقبلتُها تِسعاً وتِسعين قُبلةً / مُفرقَةً بالخَدِ والكَفِ والفَمِ ، ولو حُرّم التقبيلُ على دينِ أحمدَ / لقبلتُها على دين المسيحِ ابنِ مَريّمِ ) !!.
وهذا { الفرزدق } شاعر العربية الأكبر يقول : ( قبلتُها ورشفتُ خَمرةَ ريقها / فوجدتُ نارَ صبابةٍ في كَوّثرِ ) !!.
لكن { المتنبي } شاعري الأعظم ، لايفوته أن يدلو بدلوّه في هذا البحر اللُجيّ ، وهو الذي نظر الأعمى إلى أدبه ، وأسمعت كلماته مَن به صمم ، فيصف ريق حبيبته بالعسل ، بل يظلمه إذا ماوصفه بذلك ( مَظلومة الريق في تشبيهه ضَرَبا ) والضَرَب لغوياً هو العسل !!.
حتى { ولّادة بنت المستكفي } عشيقة الوزير { ابن زيدون } تقول في جُرأة مُدهشة : ( وأُمكّن عاشقي من صَحن خدي / وأُعطي قُبلتي مَن يشتهيها ) !! .
ثم يأتي عمنا { نزار قباني } فيُبحر سابحاً ويغوص إلى أعماق بعيدة ، فلا يكتف بوصف الشِفاه والقبلات ومفعولها الساحر ، ولكنه يُصدر أول ديوان له تحت عنوان ( طفولة نهد ) ، وينزعج { أحمد حسن الزيات } صاحب [ مجلة الرسالة ] من العنوان ، فيكتبه ( طفولة نهر ) ، لكنه يكاد يقع مَغشيّاً عليه وهو يطالع وصف { نزار } لبؤرة نهد امرأة فيقول : ( حَمراءُ أم صَفراءُ أم في لون شُعوري / أم هي قُبلةٌ تجمدت في ثديّكِ الصغيرِ ) ، سامحك الله يانزار وغفر لك !!.
وكيف لا يثبت الشعر العامي حضوره الساحر في مُعترك تلك اللجة المحمومة ، فيتقدم أميره وشيخنا { بيرم التونسي } ليدلو بدلوه فيقول ، وكأنه يصدر واحداً من الفرمانات السلطانية : ( والقُبلة إن كانت للملهوف / اللي علي خده الورد يطوف / ياخدها بدال الواحدة ألوف / ولا يخشي للناس ملام / ولا يسمع للناس كلام ) !!.
ومهما شطح العُشاق والشعراء وأبحروا ، تظل القُبلة في حياتنا رمزاً للاشتياق ، واللهفة ، وتُشكل أعلى درجات التعبير عن الحب ، وفتحاً لمغاليق الأبواب الموصدة في النفس البشرية ، ولوجاً إلى عالمٍ لانهاية لسِحره وانتشائه !! .










