تُمثّل المبادئ البوصلة الأخلاقية والتحليلية التي تُوجّه الفكر الفلسفي والعمل السياسي، وتُشكّل الأساس الذي تُبنى عليه شرعية الأنظمة واستقرار المجتمعات.
لا يُعدّ المبدأ السياسي في الفلسفة قاعدة سلوكية، وإنما هو حجر الزاوية الذي يُبنى عليه العقد الاجتماعي (الدستور)؛ فهو يجسد قيمًا عليا كالعدالة، والحرية، والمساواة، ويشكل المعيار الأساسي للحكم على شرعية السلطة.
بينما يرى فلاسفة الحق الطبيعي، وفي مقدمتهم جون لوك، إلى أن ثمة حقوقًا ومبادئ أصيلة تسبق قيام الدولة وتشكل أساس مشروعيتها، كالحق في الحياة والحرية والتملك. وفي المقابل، يُقسّم إيمانويل كانط الواجب الأخلاقي استنادًا إلى فلسفته النقدية، مؤكدًا أن القيمة الأخلاقية للمبادئ تكمن في كونها مطلقة وغائية في ذاتها، وواجبة التطبيق الكوني دون أدنى التفات للمنافع أو المصالح المؤقتة.
حيثُ تتصادم المبادئ الفلسفية دائمًا مع طبيعة الممارسة السياسية على أرض الواقع، ممّا يُخلِق معضلة فكرية مستمرة. وهناك من يرى أن الغاية تبرر الوسيلة، وأن البقاء السياسي يتطلب أحيانًا التخلي عن المبادئ المطلقة، وأن قيمة المبدأ تُقاس بمدى تحقيقه لأكبر قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس؛ إذ تتحول المبادئ في المنظور الواقعي من قيم ثابتة إلى أدوات مرنة تُستخدم لتحقيق التوازن بين القوى والمصالح.
بينما تظل المبادئ السياسية المحرك الأساسي للتغيير الجذري والنهضة الإنسانية وتحقيق الحرية والإخاء بين كافة المواطنين؛ إذ تُترجم هذه المبادئ إلى نصوص قانونية تضمن حقوق الأفراد وتمنع تغول السلطة، مثل وثيقة الحقوق ومقاومة الاستبداد. كما تمنح المبادئ السياسية الشعوب المشروعية الأخلاقية لمواجهة القوانين الجائرة عبر مؤسسات المجتمع المدني.
خلاصة القول:
السياسة بلا مبادئ صراع وحشي على النفوذ، والمبادئ بلا سياسة أفكار مجردة بمعزل عن الواقع؛ ولذا يَكمن نُبل العمل السياسي في السعي الدائم لجسر الهُوة بين الواقع والمبدأ السياسي، والارتقاء بالفعل ليقترب من الفكرة.
إن العمل السياسي الرشيد لا يقوم على إلغاء أحدهما لصالح الآخر، بل يكمن نجاحه في تحديد الوضع الصحيح لكل منهما؛ فالمطلق يمثل البوصلة الأخلاقية والهدف الأسمى كحفظ كرامة الإنسان وعدم طغيانه، والنسبي يمثل أداة الحركة والآليات التشريعية ومرونة التطبيق كالخطط، والسياسات العامة، والتحالفات.
الباحث في الشؤون السياسية والتربوية










