ليست عظمة القادة فيما يملكون من سلطة، بل فيما يحملونه من أحلام تتجاوز حدود أوطانهم إلى آفاق أمة بأكملها. ولهذا بقي جمال عبد الناصر حاضرًا في الذاكرة العربية، ليس فقط رئيسًا لمصر، بل رمزًا لمرحلة آمنت بأن العرب قادرون على أن يكونوا أمة واحدة يجمعها المصير المشترك.
كان عبد الناصر رجلًا صلبًا في المواقف، حادًّا في مواجهة خصومه، شديد الإيمان بمشروعه القومي. غير أن وراء تلك الصلابة قلبًا حمل هموم أمة كاملة. وربما كانت لحظة بكائه أثناء تقديم السفير السوري أوراق اعتماده عام 1967 من أكثر اللحظات الإنسانية تعبيرًا عن ذلك الوجع العميق الذي تركه انهيار حلم الوحدة العربية في نفسه.
لم يكن المشهد بروتوكوليًا عابرًا. كان الرئيس المصري يقف أمام ممثل سوريا، البلد الذي ارتبط بمصر في تجربة الوحدة التي رآها كثيرون آنذاك بوابة المستقبل العربي. وحين استعاد السفير السوري في كلمته ذكرى الوحدة والانفصال، لم يستطع عبد الناصر أن يخفي تأثره. اختنقت الكلمات في حلقه، وسبقت الدموع كل العبارات.
في تلك اللحظة لم يكن يبكي رئيس دولة أمام سفير أجنبي، بل كان يبكي حلمًا كبيرًا رآه يتبدد أمام عينيه. كان يبكي سنوات من الأمل، وآمال الملايين الذين صدقوا أن الحدود التي رسمها الاستعمار يمكن أن تسقط يومًا أمام إرادة الشعوب.
لقد اختلف الناس حول سياسات عبد الناصر، وانتقدوا بعض قراراته، وناقشوا تجربته بوجوهها المتعددة، لكنهم لم يستطيعوا إنكار حقيقة واحدة: أن الرجل عاش مؤمنًا بقضية أكبر من ذاته. لم يكن مشروعه مجرد إدارة دولة، بل محاولة لصناعة مستقبل عربي مختلف، مهما كانت نتائج تلك المحاولة أو مصيرها.
ولعل أكثر ما يميز الزعماء الكبار أنهم لا يُقاسون فقط بما حققوه، بل بما زرعوه من أحلام في وجدان شعوبهم. فالأمم لا تتذكر القادة الذين أداروا شؤونها اليومية بقدر ما تتذكر أولئك الذين منحوا الناس شعورًا بالعزة والانتماء والأمل.
وحين بكى جمال عبد الناصر يومها، لم تكن الدموع علامة ضعف، بل كانت شهادة على صدق الانتماء. فهناك رجال يحكمون الأوطان، وهناك رجال يحملونها في قلوبهم. وكان عبد الناصر، في نظر محبيه، واحدًا من أولئك الذين حملوا أمة كاملة في قلوبهم حتى آخر العمر.
لهذا بقي اسمه حاضرًا في الذاكرة العربية، وبقيت صورته مرتبطة بحلمٍ كبير، قد يختلف الناس حول تفاصيله، لكنهم يتفقون على أنه كان حلمًا بحجم أمة.









