- دراسة دلالية بلاغية تفسيرية في أسرار التعبير القرآني وحفظ الحقوق المالية للمرأة •
المقدمة :
الحمد لله الذي أنزل القرآن بلسان عربي مبين ، وجعل لكل كلمة فيه حكمة ، ولكل تعبير سرا ، فلا يختار القرآن كلمة مكان أخرى إلا لحكمة يعلمها من تدبر كتاب الله ، قال تعالى : ” كتاب
أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ” سورة هود : ١
والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفصح العرب لسانا ، وأعظمهم
بيانا ، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين •
أما بعد :
- هناك سؤال ظل يرافقني كلما مررت بآيات النكاح في القرآن الكريم : لماذا لم أجد في. كتاب الله كله كلمة ” مهورهن ” مع أنها
الكلمة الشائعة في كتب الفقه وعلى ألسنة الناس ؟ أهو اختلاف في الألفاظ ؟ أم أن كل حرف في القرآن مقصود ؟ هيا بنا نفتح المصحف ونسير مع الآيات الكريمة واحدة بعد أخرى لعل القرآن هو الذي يجيب على هذا السؤال • - ما الفرق بين أجورهن ولفظة مهورهن ؟
- لسبب علمي ، وهو أن لفظة ” مهورهن ” لم ترد في القرآن الكريم أصلا •
- وقف المفسرون طويلا عند آيات الأحكام ، لكن هل سألنا أنفسنا يوما : لماذا لم يقل القرآن ” مهورهن ” ؟ ، مع أن هذه الكلمة كانت معروفة عند العرب ، وإنما قال في كل موضع : ” أجورهن ” • هل هي مجرد اختلاف في الألفاظ ؟ أم أن وراء الكلمة رسالة قرآنية كاملة ؟ هذه هي دراستنا اليوم مع هذا اللفظ العجيب •
- لم يقل القرآن ” مهورهن ” ، لأن المهر اسم للمال ، أما ” الأجر “
فهو اسم للحق المستحق • لقد أراد الله تعالى أن يعلمنا أن المرأة في الإسلام لا تتلقى منحة من زوجها ، وإنما تتسلم حقا فرضه الله لها • ولذلك اختار سبحانه وتعالى كلمة واحدة حملت من الدلالات ما لم تكن لتحمله عشرات الكلمات •
فتبارك من هذا كلامه ، وتبارك من أحكم ألفاظه •
- فإن من أسرار البيان القرآني أن الكلمة الواحدة قد تتكرر في
مواضع متعددة ، ولكنها في كل موضع تؤدي معنى جديدا ، وتفتح بابامن أبواب الهداية ، ومن تلك الألفاظ القرآنية الدقيقة
لفظ ” أجورهن “ - فقد كان القرآن يستطيع أن يقول : مهورهن أو صدقاتهن ، ولكنه اختار لفظ الأجور ؛ لأن هذا اللفظ أوسع دلالة ، وأبلغ
معنى ، وأعمق أثرا في النفوس ، فهو يربط عقد الزواج بالوفاء
والحق والعدل ، ويجعل ماتدفعه للمرأة حقا ثابتا لا منة فيه
ولا تفضلا ، بل هو استحقاق أوجبه الله • - ومن هنا جاءت هذه الدراسة لتتبع الآية ٢٤ من سورة النساء وما قاله أئمة التفسير ، وما يستنبط منه من أسرار تشريعية بلاغية •
أولا : معنى ” الأجر ” في اللغة والقرآن •
- قال ابن فارس : إن مادة ” أجر ” تدل على العوض والجزاء مقابل عمل أو استحقاق • وقال الراغب الأصفهاني : الأجر هو الجزاء المستحق على العمل •
- ومن هنا نفهم أن القرآن حين يطلق على المهر اسم الأجر فإنه
ينقله من مجرد هدية أو عطية إلى حق واجب .
فالزوج لا يتفضل بالمهر ، وإنما يؤدي حقا فرضه الله تعالى عليه . - ولم يستعمل القرآن الكريم كلمة الصداق بصيغتها المشهورة بين الناس ، وإنما استعمل • الصدقات ، الفريضة ، النحلة ، الأجر •
ولكل لفظ دلالته الخاصة • أما ” الأجر ” فيدل على :
١ – أن المهر حق لازم ٢ – وأنه مقابل عقد شرعي كريم ٣ – وأن المرأة تستحقه كاملا بمجرد انعقاد سببه الشرعي • ٤ – وأن الامتناع عنه ظلم • ٥ – وأن الوفاء به من تمام الإيمان •
ولذلك جاء دائما مقرونا بالأمر بالإيتاء •
الموضع الأول : قوله تعالى في سورة النساء : ” والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء
ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ” سورة النساء : ٢٤ .
أولا : السياق العام : بعد أن بينت سورة النساء المحرمات في الزواج ، فتح الله باب الحلال ، فقال : ” وأحل لكم ما ما وراء ذلكم ” أي كل النساء غير المذكورات في آيات التحريم • لكن هذا الحل ليس مفتوحا بلا ضوابط • بل وضع الله تعالى ثلاثة قيود عظيمة ، • ابتغاء الزواج بالمال المشروع • الإحصان والعفة •
- أداء الأجر •
فجاءت لفظة ” أجورهن ” في قلب هذه المنظومة التشريعية •
ثانيا : لماذا قال تعالى : ” فآتوهن ” ؟
لم يقل : ” فادفعوا ، ولم يقل : فأعطوهن ” • بل قال : ” فآتوهن ” والإيتاء في القرآن. يشعر بالتسليم الكامل ، وإعطاء الحق لصاحبه
عن طيب نفس • ولهذا استعمله القرآن كثيرا في الحقوق الواجبة •
ثالثا : دلالة ” أجورهن ” قال الطبري: أي مهورهن الواجبة . وقال القرطبي : سماه أجرا لأنه عوض مستحق بعقد النكاح • وقال ابن
عاشور : التعبير بالأجر يشعر بأن هذا المال أصبح حقا ثابتا لا
يجوز الانتقاص منه •
رابعا: لماذ ختم بقوله ” فريضة ” ؟ أي : هذا ليس خلقا حسنا فقط • ولا إحسانا ولا عادة اجتماعية ، بل هو حكم فرضه الله •
وكأن الآية تقول :
” لا يدخل الرجل على المرأة بعقد الزواج حتى يعلم أن لها حقا ماليا فرضه الله قبل أن يفرضه الناس • وهذا الحق أول شروط صحة عقد النكاح •
خامسا : اللمسة البلاغية : تأمل ترتيب الكلمات: استمتعتم ، فآتوهن ، أجورهن ، فريضة • فجعل القرآن الاستمتاع مقدما ، ثم ألحقه مباشرة بأداء الحق • وكأن الرسالة الخالدة :
” كل نعمة يقابلها واجب ، وكل حق يقابله أداء ، ولا يكتمل الاستمتاع إلا بالوفاء ” •
سادسا : الفوائد المستنبطة : ١ – المهر حق للمرأة وحدها •
٢ – لا. يجوز التحايل على إسقاطه • ٣ – عقد الزواج قائم على
الحقوق قبل العواطف • ٤- الإسلام كرم المرأة فجعل حقها مفروضا بنص القرآن • ٥ – الوفاء بالمهر من تمام التقوى والعدل .
وقفة تدبر ، تأملوا :
- لم يقل الله تعالى : ” فأكرموهن ” ، ولا ” فأحسنوا إليهن ” ، مع أن الإكرام والإحسان مطلوبان ، ولكنه بدأ بما هو أرسخ ؛ إقامة العدل • فالعدل هو الأساس الذي تبنى عليه المودة، وإذا ضاع الحق ضعفت الثقة ، وإذا حفظ الحق ازدهرت المودة •
ومن. هنا كان التعبير القرآني : ” فآتوهن أجورهن فريضة ” ؛ ليعلم الأمة أن الكرامة لا تقوم على المشاعر وحدها ، بل على
حفظ الحقوق •
وبعد : ما من لفظة في القرآن الكريم وضعت مكان أخرى ، بل
كل لفظة اختارها الله بميزان الحكمة ، ومن هنا تبدأ رحلة التدبر •
- إن الباحث في القرآن الكريم لا يسأل : ماذا تعني هذه الكلمة؟
بل يسأل أولا : لماذا اختارها الله تعالى من بين سائر الكلمات ؟
فإذا اهتدى إلى جواب هذا السؤال ، انفتح له باب من أبواب التدبر• ” اللهم تقبل منا ومنكم صالح الدعاء وصالح الأعمال”
” سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم “
وصلاة وسلاما على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .









