المشهد قبل أن يتنفس الفجر، تصطف على نواصى الطرق سيارات متهالكة. بل توابيت متحركة، وصناديق خلفية تحولت إلى أقفاص حديدية.
فيها يُحشر الشباب الغض، والأطفال الصغار، والرجال الكادحون، والنساء الصابرات. “أنفار” جمعهم مقاول، وربطهم بأجر زهيد، وحشرهم في مساحة لا تتسع لأحلامهم.
وفى الطريق يبدأ العذاب قبل العمل، يصعدون تباعاً إلى الصندوق الخلفى، فإذا امتلأ تحولوا إلى كتلة بشرية واحدة. أجساد متلاصقة، وأنفاس مختنقة، وأكتاف منحنية. يتمسكون بالحواف اتقاءً للسقوط، ويتشبثون ببعضهم اتقاءً للموت.
مع كل مطب يرتجفون، ومع كل فرملة يتصادمون، والحر يسلخ جلودهم، والبرد يجمد عظامهم، والتراب يدخل أنوفهم. لا راحة، ولا مقعد، ولا حزام أمان. هناك فقط سؤال واحد يتكرر في القلوب: “هنوصل ولا لأ؟”
ووربما في الطريق تُزهق أرواحهم، فكم من حادثٍ خطف فلذات الأكباد؟ وكم من صريعٍ سقط على الطريق، وهو ينقب عن رغيف العيش؟
شباب في عمر الزهور، وأطفال ما زالوا براعم، انتهى بهم المشوار إلى الأكفان بدل الحقول.
يخرجون باحثين عن لقمة العيش، فيعودون محمولين على الأعناق.
ولكن الوجع والمعاناة تتضاعف حين تكون “النفر” امرأة وسط هذه الكتلة البشرية المنهكة.
المرأة التي تبدأ يومها قبل الفجر، بعد أن تؤدي فرض بيتها، وتوصل أبناءها إلى المدارس. تخرج وهي مريضة لأن لقمة العيش مرة، والغلاء طاحن، والأولاد لابد أن يتعلموا حتى لا يكون مصيرهم كمصيرها. تركب نفس “القفص الحديدي” وتتحمل نفس الخطر، لكنها تحمل فوق ظهرها همّين: هم الطريق، وهم البيت.
النساء في الحقل يحملن الثمار بأيديهن والمعاناة بأجسادهن. يزرعن الأرض، لكنهن يحصدن الألم. أجسادهن حقول للاستغلال، وأرواحهن تُسحق تحت وطأة الخوف. صوتهم صامت ولكنه يهمس مطالبا بالعدالة، والصمت هنا ليس خيارا، لكنه القدر الذى فرض عليهن.
يعملن ساعات طوال دون راحة، يروين ويجنين ويحصدن. تحرق الشمس وجوههن، وتلسع المبيدات أيديهن، وتكسر الآلات ظهورهن.
ويتقاضين أجراً زهيداً لا يسد رمقهم، في زمنٍ صارت فيه الأسعار جنونية بلا تأمين صحي، بلا إجازات مرضية، بلا راحة. وهذا انتهاك صارخ لحقوق الإنسان، وتجاوز للقيم الأخلاقية، فالعمالة الزراعية يعتمد فيها مقولين الأنفار على السيدات لأنهم يتعمدوا إعطاؤهن أموال ضعيفة أقل بكثير من الرجال.
كما تتعرض العاملات الزراعيات للعنف بأشكاله المختلفة والذى يبدأ بالتحرش من المقاول والرجال الذين يشرفون عليهن فى الأراضى الزراعية، وصولا إلى تعرصهم للإهانة والضرب، في صمتٍ مفروض فى ظل عدم قدرتهم على البوح والشكوى، صمت الخوف من قطع الرزق، وصمت “الخوف” من الفضيحة. ويتم ذلك وسط غياب الحماية القانونية لهن وثقافة العيب التى تدفعهن للصمت أمام التحرش
وقد أطلق العرف عليهن لقباً يزيد من إهانتهن ويزيد من أعتبارهن غير أدميين : “أنفار”… فصرن أرقاماً لا أسماء، وآلات لا بشر.
وقد استبعد قانون العمل الموحد رقم 12 لسنة 2003 العاملين بالزراعة البحتة وأبناءهم من أحكامه. فلا شروط عمل، ولا أجور عادلة، ولا ساعات راحة، ولا رعاية طفولة، ولا ساعات رضاعة. هذا هو حال قانون العمل الذى لا يعترف بالعمالة الزراعية بشكل عام، هذه الفئة خارجة عن إطار الحماية فى القانون، وهذه ثغرة لابد من إيجاد حل لها. فلا يزال يلفظ حقوق العاملات الزراعيات ولا يعترف بهن رغم أن المرأة تمثل 48% من حجم العمالة الزراعية، ورغم أنهن يمثلن 40% من الإنتاج، إلا أنهن خارج إطار الحماية.
وراء كل “نفر” في الصندوق الخلفي، أم تبكي، وبنت تحلم، وبيت ينتظر.
صوتهم صامت ولكنه يهمس مطالباً بالعدالة. وكل حبة تراب في هذا الوطن تحمل عرقهم وتضحياتهم.
أيها المسؤولون…
هؤلاء لسن سلعة، ولا حمولة، ولا “أنفاراً”.
هؤلاء بشر. لهم كرامة، ولهم حق في نقل آدمي، وأجر عادل، وتأمين صحي، وحماية قانونية، وبيئة عمل آمنة.
فإما أن ننقلهم كما ننقل أبناءنا إلى المدارس…
وإما أن نعترف أننا نزرع الأرض بأجساد تُكسر، ونحصد الخير بقلوبٍ تُقهر.










