لَمْ تَعُدْ جَبَهَاتُ الْأَمْنِ الْقَوْمِيِّ فِي مَنْظُومَاتِ الْعَصْرِ الْحَدِيثِ تُحْسَمُ بِعَدَادِ الدَّبَّابَاتِ أَوْ كَثَافَةِ الطَّائِرَاتِ؛ بَلْ أَمْسَتْ مَعْرَكَةً وُجُودِيَّةً شَرِسَةً تُدَارُ بِلَا ضَجِيجٍ، فِي إِطَارِ مَا يُسَمَّى “بِحُرُوبِ الْجِيلِ الْخَامِسِ” وَصِرَاعَاتِ السَّيَادَةِ عَلَى الْمَوَارِدِ الْحَيَوِيَّةِ.
إِنَّهَا مَعْرَكَةُ وَعْيٍ وَصِرَاعُ إِرَادَاتٍ، يَسْعَى فِيهَا الأَعْدَاءُ إِلَى تَطْوِيقِ مِصْرَ كِنَانَةِ اللهِ فِي أَرْضِهِ بِسَلَاسِلِ الشَّائِعَاتِ وَمَخَالِبِ الْحَرْبِ النَّفْسِيَّةِ؛ وَلِكَيْ نَسْتَجْلِيَ أَبْعَادَ هَذَا الْمَشْهَدِ الْمُعَقَّدِ، وَنُفَكِّكَ شَفَرَاتِ هَذِهِ الْمُنَاوَرَةِ، يَتَوَجَّبُ عَلَيْنَا قِرَاءَةُ ذَلِكَ الْمَشْرُوعِ الشَّيْطَانِيِّ عَبْرَ جَبَهَاتِهِ الثَّلَاثِ، قَبْلَ أَنْ نَسْتَعْرِضَ الْمَعَالِمَ الرَّاسِخَةَ لِلرُّؤْيَةِ الِاسْتِرَاتِيجِيَّةِ الْمِصْرِيَّةِ فِي مُوَاجَهَتِهِ.
أَوَّلًا: جَبْهَةُ الأَمْنِ المَائِيِّ.
عَادَتْ أَيَادِي العَبَثِ الإِقْلِيمِيَّةِ لِلتَّلَاعُبِ بِالْمَلَفِّ الإِثْيُوبِيِّ، عَبْرَ اسْتِرَاتِيجِيَّةٍ خَبِيثَةٍ تَعْتَمِدُ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مُتَكَامِلَتَيْنِ:
● مَرْحَلَةُ التَّجْفِيفِ (العَطَشِ المُنَظَّمِ): احْتِجَازُ الْمِيَاهِ لِإِحْدَاثِ جَفَافٍ مُصْطَنَعٍ، يَسْتَهْدِفُ تَدْمِيرَ الْبِنْيَةِ الزِّرَاعِيَّةِ وَالاحْتِيَاجَاتِ الْأَسَاسِيَّةِ فِي السُّودَانِ.
● مَرْحَلَةُ الطُّوفَانِ (الْفَيْضَانِ الْمُفَاجِئِ): فَتْحُ بَوَّابَاتِ السَّدِّ بِلَا تَنْسِيقٍ، لِإِغْرَاقِ الْأَرَاضِي السُّودَانِيَّةِ وَتَفْجِيرِ كَوَارِثَ بِيئِيَّةٍ وَإِنْسَانِيَّةٍ مُحَقَّقَةٍ.
الْهَدَفُ الِاسْتِرَاتِيجِيُّ: إِشْعَالُ فَوْضَى عَارِمَةٍ فِي الْمِنْطَقَةِ، وَتَوْرِيطُهَا فِي نِزَاعَاتٍ مُسْتَمِرَّةٍ تُؤَدِّي إِلَى شَلِّ الْقُدْرَاتِ الْمِصْرِيَّةِ عَنْ حِمَايَةِ عُمْقِهَا الْحَيَوِيِّ فِي الْجَنُوبِ.
ثَانِيًا: جَبْهَةُ الضَّغْطِ الدِّيمُوغْرَافِيِّ.
فِي ظِلِّ احْتِدَامِ الصِّرَاعَاتِ المُصْطَنَعَةِ، يُرَادُ لِلسُّودَانِ الشَّقِيقِ أَنْ يَغْرَقَ فِي أَتُونِ المَجَاعَةِ وَالدَّمَارِ، مِمَّا يَدْفَعُ مَلَايِينَ الْأَشِقَّاءِ نَحْوَ نُزُوحٍ جَمَاعِيٍّ مُوَجَّهٍ صَوْبَ الْحُدُودِ الْمِصْرِيَّةِ.
الْهَدَفُ الْإِسْتِرَاتِيجِيُّ: خَلْقُ أَزْمَةٍ دِيمُوغْرَافِيَّةٍ وَاقْتِصَادِيَّةٍ خَانِقَةٍ عَلَى الدَّوْلَةِ الْمِصْرِيَّةِ، وَإِرْهَاقُ الْمَوَارِدِ لِإِشْعَالِ مُعَدَّلَاتِ التَّضَخُّمِ وَالْغَلَاءِ فِي الدَّاخِلِ.
ثَالِثًا: جَبْهَةُ التَّشْتِيتِ المُمَهَّدِ.
يَسْعَى المُنَسِّقُونَ لِهَذِهِ الحَرْبِ اللامَمَاثِلِيَّةِ إِلَى إِشْغَالِ صَانِعِ القَرَارِ المِصْرِيِّ فِي عِدَّةِ جَبَهَاتٍ مَفْتُوحَةٍ فِي آنٍ وَاحِدٍ:
● الشَّرْقُ: أَقْصَى ضَغْطٍ فِي قِطَاعِ غَزَّةَ.
● الغَرْبُ: اسْتِمْرَارُ سُخُونَةِ المَشْهَدِ اللِّيبِيِّ.
● الجَنُوبُ: غَلَيَانٌ فِي السُّودَانِ وَتَهْدِيدٌ مَائِيٌّ مِنْ إِثْيُوبِيَا.
الْهَدَفُ الْإِسْتِرَاتِيجِيُّ: كَبْحُ جِمَاحِ مَشْرُوعِ “مِصْرَ العُظْمَى”؛ ذَلِكَ المَشْرُوعُ الَّذِي يَبْنِي سِلْسِلَةَ مَوَانِئَ دَوْلِيَّةٍ عَالَمِيَّةٍ، وَيُنَقِّبُ عَنْ مَصَادِرِ الطَّاقَةِ، وَيَمْتَدُّ بِتَنْمِيَتِهِ وَنُفُوذِهِ العَمِيقِ فِي قَلْبِ القَارَّةِ الْأَفْرِيقِيَّةِ.
رَابِعًا: الرُّؤْيَةُ الْإِسْتِرَاتِيجِيَّةُ الْمِصْرِيَّةُ (مَنْهَجِيَّةُ الْمُبَادَأَةِ لَا رَدِّ الْفِعْلِ).
تَتَحَرَّكُ الدَّوْلَةُ المِصْرِيَّةُ لِمُوَاجَهَةِ هَذِهِ التَّحَدِّيَاتِ وَالمَخَاطِرِ بِعَقْلِيَّةٍ اسْتِرَاتِيجِيَّةٍ جَسُورَةٍ؛ لَا تَرْتَضِي مَوْقِفَ رَدِّ الفِعْلِ، بَلْ تَفْرِضُ المُبَادَأَةَ وَتَمْتَلِكُ زِمَامَ المُبَادَرَةِ، عَبْرَ أَرْبَعَةِ مَحَاوِرَ حَاسِمَةٍ:
- الْأَمْنُ الْمَائِيُّ: كَسْرُ طَوْقِ “الْخَنْقَةِ” الْمَائِيَّةِ مِنْ خِلَالِ التَّوَجُّهِ الْفَعَّالِ لِبِنَاءِ السُّدُودِ التَّنْمَوِيَّةِ الشَّرَاكِيَّةِ فِي دُوَلِ حَوْضِ النِّيلِ (كَمَا هُوَ الْحَالُ فِي تَنْزَانِيَا وَأُوغَنْدَا)، يَقْتَرِنُ ذَلِكَ مَعَ طَفْرَةٍ دَاخِلِيَّةٍ شَامِلَةٍ تَعْتَمِدُ التَّوَسُّعَ فِي مَشَارِيعِ تَحْلِيَةِ مِيَاهِ الْبَحْرِ، وَتَبْطِينِ الْمَجَارِي الْمَائِيَّةِ وَالتُّرَعِ لِرَفْعِ كَفَاءَةِ إِدَارَةِ الْمَوَارِدِ.
- الْأَمْنُ الْحُدُودِيُّ: إِحْكَامُ السَّيْطَرَةِ الشَّامِلَةِ وَالْمُطْلَقَةِ عَلَى كَافَّةِ الِاتِّجَاهَاتِ الْإِسْتِرَاتِيجِيَّةِ لِلْبِلَادِ، بِيَقَظَةٍ بَاسِلَةٍ مِنْ أَبْطَالِ الْقُوَّاتِ الْمُسَلَّحَةِ، وَبِدَعْمٍ يَوْمِيٍّ حَثِيثٍ مِنْ أَهْرَامَاتِ الْمَعْلُومَاتِ وَالْأَجْهِزَةِ الْأَمْنِيَّةِ.
- الْأَمْنُ الْإِفْرِيقِيُّ: صِيَاغَةُ تَحَالُفَاتٍ إِقْلِيمِيَّةٍ وَثِيقَةٍ مَعَ دُوَلِ الْجِوَارِ الْمَجَالِيِّ؛ لِتَطْوِيقِ وَعَزْلِ أَيِّ سِيَاسَاتٍ أُحَادِيَّةٍ تَهْدِفُ إِلَى الْإِضْرَارِ بِالْمَصَالِحِ الْمِصْرِيَّةِ الْحَيَوِيَّةِ.
- الْأَمْنُ الْإِعْلَامِيُّ: بَنَّاءُ وَعْيٍ جَمَاهِيرِيٍّ صَلْبٍ، وَكَشْفُ خَبَايَا الْمَخَاطِرِ وَأَبْعَادِ الْمُنَاوَرَاتِ؛ لِحِمَايَةِ الْمُوَاطِنِ الْمِصْرِيِّ مِنَ الْوُقُوعِ فِي شِرَاكِ الْحَرْبِ النَّفْسِيَّةِ وَالشَّائِعَاتِ الْمُغْرِضَةِ.
وَخِتَامًا: إِنَّ هَذِهِ التَّحَرُّكَاتِ الْمَشْبُوهَةَ لَا تَهْدِفُ فِي جَوْهَرِهَا إِلَّا إِلَى إِعَادَتِنَا إِلَى الْمُرَبَّعِ الْأَوَّلِ؛ حَيْثُ الْعَطَشُ، وَالْجُوعُ، وَالنُّزُوحُ، وَالْفَوْضَى.
غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ “الْمُنَاوَرَةَ” بَاتَتْ مَكْشُوفَةً لِلْجَمِيعِ؛ فَمِصْرُ الْيَوْمَ تَمْتَلِكُ جَيْشًا جَبَّارًا يَدْحَرُ كُلَّ مَنْ يُهَدِّدُ أَمْنَهَا، وَقِيَادَةً تَتَحَرَّكُ بِرُوحِ الْمُبَادَرَةِ وَالِاسْتِبَاقِيَّةِ، وَشَعْبًا صَلْبًا يَعِي أَبْعَادَ التَّحَدِّي وَيَقِفُ حَائِطَ سَدٍّ دُونَ أَهْدَافِهَا.
وَلِتَبْقَى الْقَاعِدَةُ الذَّهَبِيَّةُ حَاضِرَةً: مَنْ يُمْسِكُ بِمَفَاتِيحِ الْمِيَاهِ، يَمْتَلِكُ زِمَامَ الْقُوَّةِ وَالنُّفُوذِ فِي إِفْرِيقِيَا؛ وَقَدْ عَادَتْ مِصْرُ لِتُمْسِكَ بِهَذِهِ الْمَفَاتِيحِ مِنْ قَلْبِ الْمَنْبَعِ.
فَلْيَكُنِ الْوَعْيُ الْقَوْمِيُّ هُوَ سِلَاحَنَا الْأَوَّلَ وَحِصْنَنَا الْمَنِيعَ ضِدَّ سَيْلِ الشَّائِعَاتِ وَالْحَرْبِ النَّفْسِيَّةِ.
(الْكَاتِبُ وَالْبَاحِثُ الْمُتَخَصِّصُ فِي الشُّؤُونِ السِّيَاسِيَّةِ)










