الأربعاء , 21 أكتوبر 2026

د. شمس راغب تكتب .. سورة التوبة.. محكمة القرآن الكبرى في محاكمة النفاق

  • مقدمة بلاغية مؤثرة : ليست كل الحروب تخاض بالسيوف ، فبعضها يخاض في الصدور ؛ حيث يتزيا الباطل بزي الحق ، ويتخفى الكذب وراء شعارات الإيمان ، ويبتسم النفاق بوجه يشبه وجوه الصالحين • ومن هنا جاءت سورة التوبة سورة لا
    تعرف المجاملة ، ولا تبقي ستارا على قلب مريض ، حتى سماها
    العلماء الفاضحة ، لأنها فضحت المنافقين بأقوالهم وأفعالهم ونياتهم • وكشفت أسرارهم التي ظنوا أنها ستبقى حبيسة المجالس المغلقة •
  • إنها سورة تشبه نورا ساطعا دخل بيتا مظلما ، فلم يترك زاوية إلا أظهر ما فيها ؛ ولذلك كانت من أشد سور القرآن وقفا على
    المنافقين ، ومن أعظمها تطهيرا لصف المؤمنين •

أولا : لماذا سميت سورة التوبة بالفاضحة ؟

  • ذكر المفسرون أن من أسمائها : التوبة ، براءة ، الفاضحة ، المقشقشة • وسبب تسميتها بالفاضحة ؛ ما زالت تنزل : ومنهم ••• ومنهم ••• حتى ظنوا ألا يبقى أحد إلا ذكر فيها “
  • فقد تكرر فيها التعبير ب ” ومنهم ” مرات عديدة ، وكأن السورة تعدد طوائف المنافقين واحدا واحدا •

ثانيا : من الآيات التي فضحت المنافقين في سورة التوبة وشرحها وبلاغتها :
(١) التعلل بالأعذار الكاذبة : قال تعالى : ” يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم ” سورة التوبة : ٩٤.
الشرح : نزلت في المتخلفين عن غزوة تبوك الذين صنعوا أعذارا كاذبة بعد رجوع النبي – صلى الله عليه وسلم –
البلاغة : ” لن نؤمن لكم ” لم يقل ” لن نصدقكم ” ، لأن الإيمان هنا بمعنى التصديق الجازم ، فنفى عنهم أصل الثقة •

” قد نبأنا الله ” : إظهار لعلم الله المحيط بما أخفوه ، وفيه تهديد مبطن – تقديم النهي ” لا تعتذروا ” يفيد قطع الطريق على الكذب قبل أن يقال •

  • وجه الفضيحة : السورة لم تكتف ببيان كذبهم ، بل أخبرت أن الله كشف سرائرهم لنبيه – صلى الله عليه وسلم –

٢ – الخوف من الكشاف السر •

قال تعالى : ” يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما
في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون ” سورة التوبة : ٦٤ .
الشرح : كان المنافقون يخافون أن ينزل قرآن يفضح ما في قلوبهم من الكفر والاستهزاء •
البلاغة : افتتاح الآية بالفعل المضارع ” يحذر ” يصور الخوف
المتجدد – التعبير ب ” ما في قلوبهم ” يدل على أن الفضيحة
ليست للأفعال فقط بل للنيات • – مخرج ما تحذرون – استعارة بديعة ؛ كأن الأسرار أشياء مدفونة سيخرجها الله تعالى إلى العلن
وجه الفضيحة : مجرد خوفهم من نزول سورة يكشف أنهم يعلمون فساد باطنهم •

٣- الاستهزاء بالله ورسوله :

قال تعالى : ” ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل
أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون • لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ” سورة التوبة : ٦٥ ، ٦٦
الشرح : قال بعض المنافقين كلمات سخرية في طريق تبوك ، فلما انكشف أمرهم ادعوا المزاح •

  • البلاغة : – الاستفهام ” أبالله وآياته ورسوله ” للإنكار والتوبيخ
  • تقديم الجار والمجرور ” بالله ” يفيد التعظيم •
    الانتقال من حكاية قولهم إلى الحكم عليهم مباشرة ” قد كفرتم”
    سرعة في القضاء بعد ظهور الجريمة •
    وجه الفضية : أثبت كلامهم حرفيا ، ثم أعلن حكمهم أمام الأمة .

٤ – البخل وكراهية النفاق :

قال تعالى : ” ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ” سورة التوبة ٥٨
الشرح : كانوا يطعنون في تقسيم الصدقات ، فإن نالوا منها رضوا ، وإن حرموا غضبوا •
البلاغة : ” يلمزك ” كلمة قصيرة تحمل معنى الطعن الخفي – المقابلة بين ” رضوا ” و ” يسخطون ” تكشف تقلبهم •

  • وجه الفضيحة : كشفت الآية أن معيارهم ليس الحق بل المصلحة الشخصية •
    ٥ – نشر الإرجاف والتثبيط :
    قال تعالى : ” ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين ” سورة التوبة : ٤٦
    الشرح : لو كانوا صادقين في نية الجهاد لاستعدوا له ، لكنهم لم يفعلوا •
    البلاغة : الشرط ” لو أرادوا ” دليل منطقي على كذب دعواهم • ” أعدوا له عدة ” إيجاز صورة الاستعداد الكامل ” فثبطهم!” لفظ قوي يوحي بإلقاء ثقل يمنع الحركة.
  • وجه الفضيحة : فضحت الآية نفاقهم من خلال غياب العمل لا مجرد الأقوال •
    ٦ – بناء مسجد ضرار :
    قال تعالى : ” والذين اتخذوا مسجدا ضرار وكفروا وتفريقا بين المؤمنين ” سورة التوبة : ١٠٧ •
    الشرح : بنى المنافقون مسجدا ظاهره العبادة وباطنه الإفساد .
    البلاغة : تتابع المصادر : ” ضرار – وكفرا – وتفريقا ” تصعيد
    بلاغي يكشف تعدد جرائمهم •
    وجه الفضيحة : أزيل القناع عن أخطر صور النفاق : استخدام الدين لهدم الدين •
    ثالثا : ما الخصائص البلاغية التي جعلت السورة فاضحة ؟

١ – التكرار الكاشف : ” ومنهم ” يتكرر هذا الأسلوب كأنه تقرير تحقيق يكشف ملفات متتابعة •
٢- الانتقال من الظاهر إلى الباطن لا تكتفي السورة بوصف الأفعال ، بل تقول : ” بما في قلوبهم ” •
٣ – الجمع بين الخبر والحكم تذكر الجريمة ثم تصدر الحكم الإلهي فورا •
٤ – قوة الألفاظ : مثل : يلمزك ، يسخطون ، ثبطهم ، ضرار ،
كفرا ؛ ألفاظ ذات جرس شديد يناسب مقام الفضيحة •

رابعا : ما الذي تكشف السورة عن طبيعة النفاق ؟

تظهر السورة أن النفاق ليس مجرد كذب عابر ، بل منظومة تشمل :
-! الكذب عند الاعتذار – الاستهزاء بالمقدسات – الطعن في القيادة – البخل عن نصرة الحق ، نشر التثبيط – استغلال الدين للإفساد •
ولهذا جاءت السورة طويلة في ذكرهم ؛ لأن خطر المنافق من الداخل أعظم من خطر العدو من الخارج •

خاتمة بلاغية مؤثرة : إن سورة التوبة ليست سجلا لأسماء مضت ، بل مرآة تعرض فيها القلوب على نور الوحي ؛ فمن وافق ظاهره باطنه اطمأن ، ومن لبس ثوب الإيمان وقلبه مريض اضطرب •
لقد أراد المنافقون أن يختبئوا خلف الكلمات ، فجاء القرآن يكشفهم بالكلمات نفسها ؛ فصاروا عبرة لكل زمان •

وإن كانت السورة قد فضحت قوما في عصر النبوة ، فإن رسالتها الخالدة أن الله لا تخفي عليه السرائر ، وأن بناء الصورة أمام الناس لا يغني عن صلاح القلب ، وأن أخطر ما يصيب
الأمة ليس عدوا يواجهها ، بل نفاقا يتكلم بلغتها وبطعنها من داخلها •
فطوبى لمن قرأ سورة التوبة فخاف على قلبه قبل أن يفتش عن غيره ، وجعلها دعوة إلى الصدق مع الله فإن الصادق قد يخفي
على الناس زمنا ، لكنه لا يخفى على رب الناس أبدا •

” سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم “
وصلاة وسلاما على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاهد أيضاً

مفتي الجمهورية يُثمِّن رعاية الرئيسين المصري والكازاخي لجامعة «نور مبارك»

خلال كلمةٍ مسجَّلة لفضيلته بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس الجامعة المصرية للثقافة الإسلامية «نور مبارك» …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *