- مقدمة بلاغية مؤثرة : ليست كل الحروب تخاض بالسيوف ، فبعضها يخاض في الصدور ؛ حيث يتزيا الباطل بزي الحق ، ويتخفى الكذب وراء شعارات الإيمان ، ويبتسم النفاق بوجه يشبه وجوه الصالحين • ومن هنا جاءت سورة التوبة سورة لا
تعرف المجاملة ، ولا تبقي ستارا على قلب مريض ، حتى سماها
العلماء الفاضحة ، لأنها فضحت المنافقين بأقوالهم وأفعالهم ونياتهم • وكشفت أسرارهم التي ظنوا أنها ستبقى حبيسة المجالس المغلقة • - إنها سورة تشبه نورا ساطعا دخل بيتا مظلما ، فلم يترك زاوية إلا أظهر ما فيها ؛ ولذلك كانت من أشد سور القرآن وقفا على
المنافقين ، ومن أعظمها تطهيرا لصف المؤمنين •
أولا : لماذا سميت سورة التوبة بالفاضحة ؟
- ذكر المفسرون أن من أسمائها : التوبة ، براءة ، الفاضحة ، المقشقشة • وسبب تسميتها بالفاضحة ؛ ما زالت تنزل : ومنهم ••• ومنهم ••• حتى ظنوا ألا يبقى أحد إلا ذكر فيها “
- فقد تكرر فيها التعبير ب ” ومنهم ” مرات عديدة ، وكأن السورة تعدد طوائف المنافقين واحدا واحدا •
ثانيا : من الآيات التي فضحت المنافقين في سورة التوبة وشرحها وبلاغتها :
(١) التعلل بالأعذار الكاذبة : قال تعالى : ” يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم ” سورة التوبة : ٩٤.
الشرح : نزلت في المتخلفين عن غزوة تبوك الذين صنعوا أعذارا كاذبة بعد رجوع النبي – صلى الله عليه وسلم –
البلاغة : ” لن نؤمن لكم ” لم يقل ” لن نصدقكم ” ، لأن الإيمان هنا بمعنى التصديق الجازم ، فنفى عنهم أصل الثقة •
” قد نبأنا الله ” : إظهار لعلم الله المحيط بما أخفوه ، وفيه تهديد مبطن – تقديم النهي ” لا تعتذروا ” يفيد قطع الطريق على الكذب قبل أن يقال •
- وجه الفضيحة : السورة لم تكتف ببيان كذبهم ، بل أخبرت أن الله كشف سرائرهم لنبيه – صلى الله عليه وسلم –
٢ – الخوف من الكشاف السر •
قال تعالى : ” يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما
في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون ” سورة التوبة : ٦٤ .
الشرح : كان المنافقون يخافون أن ينزل قرآن يفضح ما في قلوبهم من الكفر والاستهزاء •
البلاغة : افتتاح الآية بالفعل المضارع ” يحذر ” يصور الخوف
المتجدد – التعبير ب ” ما في قلوبهم ” يدل على أن الفضيحة
ليست للأفعال فقط بل للنيات • – مخرج ما تحذرون – استعارة بديعة ؛ كأن الأسرار أشياء مدفونة سيخرجها الله تعالى إلى العلن
وجه الفضيحة : مجرد خوفهم من نزول سورة يكشف أنهم يعلمون فساد باطنهم •
٣- الاستهزاء بالله ورسوله :
قال تعالى : ” ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل
أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون • لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ” سورة التوبة : ٦٥ ، ٦٦
الشرح : قال بعض المنافقين كلمات سخرية في طريق تبوك ، فلما انكشف أمرهم ادعوا المزاح •
- البلاغة : – الاستفهام ” أبالله وآياته ورسوله ” للإنكار والتوبيخ
- تقديم الجار والمجرور ” بالله ” يفيد التعظيم •
الانتقال من حكاية قولهم إلى الحكم عليهم مباشرة ” قد كفرتم”
سرعة في القضاء بعد ظهور الجريمة •
وجه الفضية : أثبت كلامهم حرفيا ، ثم أعلن حكمهم أمام الأمة .
٤ – البخل وكراهية النفاق :
قال تعالى : ” ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ” سورة التوبة ٥٨
الشرح : كانوا يطعنون في تقسيم الصدقات ، فإن نالوا منها رضوا ، وإن حرموا غضبوا •
البلاغة : ” يلمزك ” كلمة قصيرة تحمل معنى الطعن الخفي – المقابلة بين ” رضوا ” و ” يسخطون ” تكشف تقلبهم •
- وجه الفضيحة : كشفت الآية أن معيارهم ليس الحق بل المصلحة الشخصية •
٥ – نشر الإرجاف والتثبيط :
قال تعالى : ” ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين ” سورة التوبة : ٤٦
الشرح : لو كانوا صادقين في نية الجهاد لاستعدوا له ، لكنهم لم يفعلوا •
البلاغة : الشرط ” لو أرادوا ” دليل منطقي على كذب دعواهم • ” أعدوا له عدة ” إيجاز صورة الاستعداد الكامل ” فثبطهم!” لفظ قوي يوحي بإلقاء ثقل يمنع الحركة. - وجه الفضيحة : فضحت الآية نفاقهم من خلال غياب العمل لا مجرد الأقوال •
٦ – بناء مسجد ضرار :
قال تعالى : ” والذين اتخذوا مسجدا ضرار وكفروا وتفريقا بين المؤمنين ” سورة التوبة : ١٠٧ •
الشرح : بنى المنافقون مسجدا ظاهره العبادة وباطنه الإفساد .
البلاغة : تتابع المصادر : ” ضرار – وكفرا – وتفريقا ” تصعيد
بلاغي يكشف تعدد جرائمهم •
وجه الفضيحة : أزيل القناع عن أخطر صور النفاق : استخدام الدين لهدم الدين •
ثالثا : ما الخصائص البلاغية التي جعلت السورة فاضحة ؟
١ – التكرار الكاشف : ” ومنهم ” يتكرر هذا الأسلوب كأنه تقرير تحقيق يكشف ملفات متتابعة •
٢- الانتقال من الظاهر إلى الباطن لا تكتفي السورة بوصف الأفعال ، بل تقول : ” بما في قلوبهم ” •
٣ – الجمع بين الخبر والحكم تذكر الجريمة ثم تصدر الحكم الإلهي فورا •
٤ – قوة الألفاظ : مثل : يلمزك ، يسخطون ، ثبطهم ، ضرار ،
كفرا ؛ ألفاظ ذات جرس شديد يناسب مقام الفضيحة •
رابعا : ما الذي تكشف السورة عن طبيعة النفاق ؟
تظهر السورة أن النفاق ليس مجرد كذب عابر ، بل منظومة تشمل :
-! الكذب عند الاعتذار – الاستهزاء بالمقدسات – الطعن في القيادة – البخل عن نصرة الحق ، نشر التثبيط – استغلال الدين للإفساد •
ولهذا جاءت السورة طويلة في ذكرهم ؛ لأن خطر المنافق من الداخل أعظم من خطر العدو من الخارج •
خاتمة بلاغية مؤثرة : إن سورة التوبة ليست سجلا لأسماء مضت ، بل مرآة تعرض فيها القلوب على نور الوحي ؛ فمن وافق ظاهره باطنه اطمأن ، ومن لبس ثوب الإيمان وقلبه مريض اضطرب •
لقد أراد المنافقون أن يختبئوا خلف الكلمات ، فجاء القرآن يكشفهم بالكلمات نفسها ؛ فصاروا عبرة لكل زمان •
وإن كانت السورة قد فضحت قوما في عصر النبوة ، فإن رسالتها الخالدة أن الله لا تخفي عليه السرائر ، وأن بناء الصورة أمام الناس لا يغني عن صلاح القلب ، وأن أخطر ما يصيب
الأمة ليس عدوا يواجهها ، بل نفاقا يتكلم بلغتها وبطعنها من داخلها •
فطوبى لمن قرأ سورة التوبة فخاف على قلبه قبل أن يفتش عن غيره ، وجعلها دعوة إلى الصدق مع الله فإن الصادق قد يخفي
على الناس زمنا ، لكنه لا يخفى على رب الناس أبدا •
” سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم “
وصلاة وسلاما على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.









