أنا سيدة ابلغ من العمر خمس وخمسون عاما.. . تزوجت منذ 35 عاما زواجا تقليديا.. فاكتشفت في زوجي إنسانا بكل معني الكلمة له قلب خال من كل حقد أو ضغينة.. لا يؤذي أحدا ولو بكلمة أو إشارة.. متدينا يؤدي فروض ربه وصاحب مشاعر رقيقة يتكلم قليلا ويفعل كثيرا.. مثقفا يتذوق الجمال في كل شيء, فأحببته وأحبه إخوتي وأصدقائي , وساد الاحترام المتبادل حياتنا معا.. بداية الزواج اكتشفت أنني لن أستطيع الإنجاب وحزنت لذلك وخشيت من تأثيره علي زوجي .. فكان رد فعله قال لي أنه سعيد معي وراض بما اختاره له الله.. ورفض عرضي عليه بأن يتزوج أخرى لينجب منها بغير أن نفترق, مؤكدا لي أنه لا يريد أن يجحد نعمة هذه النعمة هي أنا!
فمضت حياتنا حلوة وجميلة وازداد ترابطنا عمقا وعودنا نفسينا على أسرة متكاملة وسعيدة.. نصحو مع الفجر نؤدي الفريضة ثم نعد طعام الإفطار ونجلس لنتبادل الأحاديث الشهية التي لا تنقطع بيننا أبدا وأودعه لكي يذهب إلى عمله وأقبله وأقبل يده واطلب منه أن يردد دعاء معينا قبل الخروج, فيردده ويخرج, وحين اسمع صوت المفتاح في باب الشقة احمد الله على عودته سالما واستقبله كما يستقبل الأطفال الصغار آباءهم وأسعد بما يحمله لي مهما كان صغيرا.
مرت السنوات بنا كلها سعادة وعبادة ولقاء عشاق وليس زوجين تتعانق يدينا ونجلس فى الحديقة كحبيبين لاول مرة يلتقيان حتى يوم لم تطلع له شمس وبدأت رحلة العذاب
انخلع قلبي طوالها .. فالحالة متأخرة ولا أمل في العلاج.. ومادت بي الأرض ورجوت الطبيب ألا يخبره بشيء وحجبت دموعي الغزيرة عنه لكيلا يشك في شيء وحزمت أمري .. فلتكن إذن مشيئة الله والأعمار بيده وحده.. ولكن المهم هو أن يحيا زوجي الحبيب أيامه الباقية في سعادة وسرور, تفرغت تماما لمرافقة زوجي ورعايته والحديث معه.. والتخفيف عنه والاهتمام بأمره . وزوجي صابر لا يردد سوى عبارة الحمد لله ودعاء سيدنا أيوب:” رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين” ولا تفارقه الابتسامة وهو في أشد حالات الألم والمعاناة.. ولا يشكو.. ولا يعترض على قضاء الله.. وإذا شعر بالضيق أو ارتفعت حرارته وضعته على الكرسي المتحرك وخرجت به من الغرفة وتجولنا في الطرقات ونحن نغني معا .
وازدادت حالته سوءا ونقل مرة أخرى للعناية المركزة وطلب مني في أحد الأيام أن أعود للبيت لقضاء الليل فيه ورجوته أن يسمح لي بالبقاء إلى جواره فألح علي في ذلك فقبلت يده وطلبت منه أن يتماسك وودعته وعيني في عينه إلى أن غادرت الغرفة.. وفي الصباح الباكر رجعت إليه فوجدته قد لبي نداء ربه خلال الليل واستراح من الألم الرهيب الذي تحمله صابرا ستة شهور ومات زوجي وحبيبي وصديقي ومستشاري ومؤنس وحدتي ونصفي الحلو وماتت معه الفرحة والأمل وكل شيء.










