تُعد «نفيسة البيضاء» (أو نفيسة خاتون) واحدة من أبرز وأعظم النساء اللاتي أثرن في تاريخ مصر أواخر العصر العثماني وعصر المماليك الجراكسة؛ إذ تحولت من جارية تُباع وتُشترى في أسواق الرقيق إلى أثرى وأقوى نساء مصر في القرن الثامن عشر. ولم يكن هذا النفوذ مجرد ثراءٍ عابر، بل تُوّج بمواقف وطنية خالدة وبمجموعتها المعمارية الفريدة بجوار «باب زويلة»؛ حيث تجد عبق التاريخ وروح مصر الحقيقية تنبض بين أزقتها.
-الأصل والنشأة.. من أسر القوقاز إلى عرش مصر
تعود أصول نفيسة البيضاء إلى جبال القوقاز؛ حيث كانت جارية جورجية جُلبت إلى مصر في صباها، فشراها «علي بك الكبير» (حاكم مصر المملوكي). ونظرًا لجمالها الباهر ورجاحة عقلها النافذة، تزوجها وأطلق عليها لقب «البيضاء». لم تكن نفيسة مجرد زوجة لحاكم، بل كانت مستشارة يُصغى إلى رأيها وتُستشار في جليل الأمور.
-النفوذ السياسي والدبلوماسي
بعد مقتل علي بك الكبير، تزوجت نفيسة من زعيم المماليك «مراد بك»، ولعبت دوراً سياسياً ودبلوماسياً بارزاً في مرحلة شديدة الاضطراب؛ حيث كانت تتوسط برداء الحكمة بين القادة المماليك والولاة العثمانيين، وتستقبل السفراء والدبلوماسيين في قصرها المنيف، لتصبح حلقة الوصل المحورية في إدارة أزمات البلاد.
-ملحمة الصمود ودورها الوطني ضد الحملة الفرنسية
في عام 1798م، مع مجيء الحملة الفرنسية على مصر، فرّ زوجها مراد بك إلى الصعيد ليعتمد طريقة حرب العصابات، وهنا تجلّى المعدن الأصيل لهذه المرأة التي كانت «بُألف رجل»؛ إذ لم تهرب ولم تتوارَ، بل وقفت في قلب القاهرة تقود المقاومة الشعبية وسند الأمة.
وقد تناولتُ هذا الدور الوطني الخالد في روايتي «ثورة العميان: كف مصر»؛ حيث تجسد روح نفيسة البيضاء كرمزٍ للصمود والعطاء. فعلى الرغم من محاولات نابليون بونابرت استغلالها كحلقة وصل وتفاوض مع المماليك، إلا أنها سخرت كل نفوذها وثروتها لخدمة القضية الوطنية، فكانت تُمِدّ الثوار والمقاومين بالمال والماء والسلاح لإدامة اشتعال الثورة ضد المحتل، وتدفع الفدى الماليّة الباهظة لإطلاق سراح الأسرى من أبناء مصر والمقاومين من معتقلات الفرنسيين، فضلاً عن مداواة الجرحى وإيواء الفارين وكفالة أسر الشهداء والمجاهدين.
ظلّت نفيسة البيضاء ملجأً للمصريين وحصناً منيعاً يحميهم من بطش الحملة الفرنسية، وظلت محل احترام وإجلال الشعب بأكمله حتى وفاتها عام 1816م في عهد محمد علي باشا.
-الأوقاف والمنشآت المعمارية (عبق التاريخ في الدرب الأحمر)
تتجلى روح مصر التاريخية في المجموعة المعمارية والخدمية التي تركتها نفيسة البيضاء في منطقة الدرب الأحمر – شارع المعز لدين الله الفاطمي (بجوار باب زويلة والسكرية)، والتي تشكل شرياناً حيوياً يجمع بين الوظائف الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية:
السبيل والكُتّاب (1211هـ / 1796م): تُعتبر واجهة السبيل من أجمل أسبلة القاهرة، إذ تتميز بواجهة رخامية نصف دائرية تُجسد طراز الباروك الإسلامي (العثماني المتأخر)، وتزدان بشبابيك نحاسية مفرغة لسقيا المارة، ويعلو السبيل كُتّاب مخصص لتعليم الأطفال القرآن الكريم والعلوم الإجرائية.
وكالة نفيسة البيضاء (وكالة الشمع): تقع خلف السبيل مباشرة، وتتكون من فناء أوسط تحيط به المحال التجارية ورِباغ (وحدات سكنية) للمشاركين والتجار، وقد اشتهرت تاريخياً بنشاط التجارة وصناعة الشموع.
الحمام الشعبي (حمام السكرية): وهو حمام مزدوج يضم قسماً للرجال وآخر للنساء، أُلحق بالمجموعة المعمارية لخدمة أهالي المنطقة والتجار المترددين على الوكالة.
إن زائر هذه الأماكن اليوم بجوار باب زويلة بـ «السكرية» لا يرى مجرد أحجار وشواهد معمارية، بل يستشعر عبق التاريخ وروح مصر الخالدة؛ حيث يلتقي ثبات العمارة مع عظمة المواقف الوطنية لامرأة خلدها التاريخ كرمزٍ للوفاء والنضال والإنسانية.










