لا تبنى الدول بالمشروعات وحدها مهما كان حجمها،
ولا تقاس قوة المجتمعات بعدد الطرق التي شيدت أو المدن التي امتدت أو المباني التي ارتفعت. كل ذلك مهم لكنه يظل جزءا من صورة أكبر.. الصورة الأهم هي الإنسان.
فالمشروع يمكن أن ينتهي في موعده والمبنى يمكن أن يفتح أبوابه والطريق يمكن أن يمتد عشرات الكيلومترات لكن السؤال الذي يبقى بعد كل ذلك هو: هل أصبح الإنسان أكثر قدرة على الاستفادة مما أُنجز؟ هنا تبدأ القضية الحقيقية.. لقد شهدت مصر خلال السنوات الماضية حركة واسعة في مشروعات البنية الأساسية وتحسين الخدمات وتطوير القرى والمدن وهي جهود لا يمكن اختزالها في مجرد أرقام. لكن كل إنجاز يضع أمامنا مسؤولية جديدة: كيف نحول ما تحقق في المكان إلى تغيير مستدام في حياة الإنسان؟ ولعل هذه هي المرحلة التي تحتاج منا إلى التفكير فيها بهدوء.. نحن لا نحتاج إلى مصري جديد بقدر ما نحتاج إلى تطوير أفضل ما في المصري الموجود.. فالمصري لديه رصيد كبير من الصفات التي أثبتت الأيام قيمتها: القدرة على تحمل الصعاب، والمرونة، وسرعة البديهة، والوقوف إلى جانب الآخرين في الأزمات، والارتباط بالأسرة والمجتمع.
لكن الحياة تغيرت ومتطلبات المستقبل تغيرت معها لم يعد كافيا أن يكون الإنسان قادرا على تحمل الظروف بل أصبح مطلوبا منه أن يمتلك المعرفة والمهارة والانضباط والقدرة على التعلم المستمر.. لم يعد النجاح في أن نجد وظيفة فقط وإنما أن نمتلك القدرة على التطور داخلها.. ولم يعد التعليم مجرد شهادة نحصل عليها وإنما وسيلة تجعل الإنسان قادرا على التفكير والتعلم والتكيف مع عالم يتغير بسرعة.. وهنا تبرز قضية بناء الإنسان وهي قضية أكبر من أن تتحول إلى شعار.. الدولة تستطيع أن توفر البيئة لكنها لا تستطيع أن تعيش حياة المواطن بدلا منه.. يمكنها أن تطور المدرسة لكنها لا تستطيع أن تذاكر بدلًا من الطالب…يمكنها أن تنشئ مركز شباب لكنها لا تستطيع أن تستثمر وقت الشاب نيابة عنه.
يمكنها أن توفر فرصة تدريب لكنها لا تستطيع أن تكتسب المهارة بدلا من المتدرب.. يمكنها أن تطور الشارع لكنها لا تستطيع أن تحافظ عليه بدلا من المواطنين.. وهذا لا يعني إعفاء الدولة من مسؤوليتها بل يعني وضع المسؤولية في مكانها الصحيح.. الدولة عليها أن تفتح الأبواب.وأن توفر التعليم الجيد، والخدمات، والفرص، والمؤسسات القادرة على اكتشاف الطاقات. والمجتمع عليه أن يتفاعل مع هذه الفرص ويحافظ عليها. أما الفرد فعليه أن يقرر ماذا سيفعل بكل ذلك.. هذه المعادلة هي التي تجعل التنمية مستدامة.
فلا قيمة لطريق متطور إذا لم يصاحبه احترام لقواعد المرور ولا قيمة لمدرسة حديثة إذا ظل التعليم فيها يعتمد على الحفظ وحده ولا قيمة لمركز شباب مجهز إذا تحول إلى مكان مغلق على الأنشطة التقليدية ولم ينجح في اكتشاف موهبة أو تطوير مهارة.. المشكلة إذن ليست دائما في الإمكانات وإنما أحيانا في كيفية استخدامها وهنا نحتاج إلى إعادة النظر في مفهوم المشاركة.. المواطن ليس متلقيا دائما والدولة ليست مطالبة دائمًا بأن تقوم بكل شيء هناك مساحة يمكن أن يتحرك فيها المجتمع: الجمعيات، والمدارس، ومراكز الشباب، والمبادرات المحلية، وأماكن العمل، والمؤسسات الثقافية، وكل مساحة يستطيع الناس من خلالها أن يقدموا شيئًا لغيرهم.. والشباب تحديدا يجب أن يكونوا في قلب هذه المعادلة.. الشاب الذي نريده ليس مجرد شخص ينتظر فرصة عمل.وإنما إنسان يملك الأدوات التي تجعله قادرا على صناعة فرصة لنفسه ولغيره.. نحتاج إلى شاب يتعلم لغة جديدة، أو مهارة رقمية، أو حرفة يحتاجها السوق، أو يمارس الرياضة، أو يشارك في نشاط ثقافي، أو يدخل تجربة تطوعية، أو يكتشف موهبته مبكرا.. ليس المطلوب أن يصبح الجميع نسخة واحدة.. على العكس قوة المجتمع في تنوع أبنائه واختلاف مواهبهم.. لكن المطلوب أن يمتلك كل فرد القدرة على توظيف ما لديه في الاتجاه الصحيح.
وهنا يأتي دور المدرسة والأسرة ومراكز الشباب والإعلام.
الأسرة لا ينبغي أن يكون دورها فقط متابعة الدرجات بل اكتشاف شخصية الابن.. والمدرسة لا ينبغي أن يكون نجاحها في عدد الناجحين فقط بل في قدرتها على بناء طالب يعرف كيف يفكر.. ومركز الشباب لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الأنشطة وإنما بما تركته هذه الأنشطة في شخصية المشاركين.. والإعلام لا ينبغي أن يكتفي بعرض المشكلة، وإنما عليه أيضا أن يلفت النظر إلى النماذج التي تثبت أن النجاح ممكن.. كل هذه الأدوار تتكامل ولا يمكن لمؤسسة واحدة أن تحملها وحدها.. وفي المقابل.فإن بناء الإنسان يحتاج أيضا إلى قدر من الصراحة مع أنفسنا.. لدينا بعض السلوكيات التي نحتاج إلى مراجعتها مثل عدم احترام الوقت، أو التعامل مع بعض القواعد باعتبارها قابلة للتجاوز أو إلقاء المسؤولية دائمًا على الآخرين.أو النظر إلى الممتلكات العامة وكأنها ملك للدولة وحدها.. هذه ليست عيوبا في شخصية المصري ولا يصح تعميمها على الجميع لكنها سلوكيات موجودة بدرجات مختلفة ومواجهتها تبدأ بالاعتراف بها لا بإنكارها.. فالمجتمع الذي يريد أن يتقدم يحتاج إلى أن ينتقد نفسه بقدر ما يعتز بنفسه.. والاعتزاز الحقيقي بالوطن لا يكون فقط في الكلمات.وإنما في العمل الجيد واحترام القانون، والحفاظ على الممتلكات العامة وإتقان المهنة، ومساعدة الآخرين، والقيام بالواجب قبل المطالبة بالحق.. هذه ليست تفاصيل صغيرة إنها السلوكيات اليومية التي تصنع في النهاية صورة المجتمع.. ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يرافق كل مشروع وكل مبادرة وكل عملية تطوير ليس فقط: ماذا أنجزنا؟ بل أيضا: ماذا فعل هذا الإنجاز في الإنسان؟هل جعله أكثر قدرة؟هل منحه فرصة جديدة؟هل غير سلوكا؟ هل اكتشف موهبة؟هل فتح بابا لشاب؟ هل جعل المواطن يشعر بمسؤوليته تجاه المكان الذي يعيش فيه؟ إذا كانت الإجابة نعم فنحن لا نبني منشآت فقط وإنما نبني مستقبلا.. أما إذا ظل الإنسان بعيدا عن دائرة التأثير فإننا نكون قد قطعنا نصف الطريق فقط.. المصري الذي نحتاج أن نصنعه ليس مواطنا مثاليا لا يخطئ فهذا غير موجود.. إنه مواطن يتعلم من خطئه، ويحترم القانون، ويتقن عمله، ويعرف حقوقه وواجباته، ويختلف دون خصومة، وينتقد دون هدم، ويطمح دون أن يفقد إحساسه بالمسؤولية.. مواطن يعرف أن الوطن ليس ما يحصل عليه فقط وإنما ما يضيفه أيضا.. وفي النهاية فإن أعظم ما يمكن أن تفعله دولة لأبنائها ليس أن تقدم لهم كل شيء.وإنما أن تمنحهم القدرة على بناء المزيد.. فالمشروعات يمكن أن تتغير.والتكنولوجيا يمكن أن تتطور.والاحتياجات يمكن أن تتبدل لكن الإنسان الذي يمتلك المعرفة والمهارة والانضباط والوعي يستطيع أن يتعامل مع كل مرحلة جديدة.. ولهذا فإن بناء الإنسان ليس ملفا من ملفات التنمية وإنما هو الهدف الذي يعطي لكل ملفات التنمية معناها.. وحين ننجح في صناعة هذا الإنسان لن نكون قد صنعنا مواطنًا أفضل فقط بل صنعنا مجتمعا أكثر قدرة على حماية ما تحقق واستكمال ما بدأ.وفتح الطريق أمام ما لم يبدأ بعد.. فالمستقبل الذي نريده لا يحتاج فقط إلى دولة تبني وإنما إلى مواطن يعرف لماذا يبني وكيف يحافظ على ما بُني وماذا يمكن أن يضيف إليه.










