فتاتان فتنتان ، صادفت طاولة جلوسهما خلفي في أحد كافيهات مدينتنا الجميلة ، علي شاطئ نيلنا الخالد !!.
لم يخطر ببالي لحظة أن سحابات الدخان الكثيف الذي يتصاعد فيفسد نقاء الهواء العليل النادر في ليل أغسطس ، كان مصدره تلك الشفاة التي أطبقت علي مبسم الشيشة في تباهٍ مغشوش ، وتحدٍ فاجر !!.
تردد صوت في أعماقي يقول : خسارة !!.
خسارة أن يشوه هذا الجمال بسلوك ذكوري فج ، تحت زعم الحرية !!.
وكم من المصائب ترتكب باسم الحرية ، وكم من الانحرافات والسفاهات والحماقات تمارس باسم الحرية !!.
ووجدتني أرمق صفحة النيل المنساب في سلاسة وعذوبة ، وتتردد علي لساني شكوي مريرة ، من هذا السلوك الشاذ القبيح ، في بلد كانت أجل سمات نسائه الحياء والخجل ، فمالي أري تبجحاً وصفاقة تشوه معني الأنوثة ، وتفقدها براءتها ، وتفض بكارتها !!.
وجال بخاطري حادثة دالة – وإن جرت وقائعها في زمن بعيد بعيد – حين تجرأ أحد المغامرين في قريتنا ، وقام بافتتاح مقهي بلدي علي شاطئ نفس النيل ، حيث رصَّ فيه عدة كراسي خشبية وطاولات متهالكة ، وجاء بأكثر من جوزة وأكواب للشاي والحلبة ، والفحم والمعسل ، وبدأ في استقبال نفر من الفلاحين ، الذين أسكرهم الدخان والسهر !!.
قبيل الفجر ، وبعد انقضاء أول ليلة للقهوة ، كانت كتيبة من الخفر يقذفون بالطاولات والكراسي والمعسل والفحم في عرض النيل ، وبأمر من برهان باشا نور مالك الدائرة والاقطاعي الأكبر ، ثم جرجروا صاحب القهوة إلي السراية ، حيث نال حظه من كرابيج الباشا وصفعات الزبانية وركلاتهم ولكماتهم ، وقال له الباشا : ( إذا سهر الفلاحون في الغرزة التي أعددتها أنت لهم ، فكيف يستيقظون في الصباح الباكر للفلاحة في الأرض ) !!.
ولست أدري ماذا كان سيفعل الباشا ، وهو يري مصر كلها تسهر حتي الصباح في الكافيهات ، وكأنهم عاطلون بلا عمل ، وماذا سيفعل وهو يري حتي بعضاً ليس بالقليل من فتياتنا ونسائنا يقبضن بأناملهن علي خرطوم الشيشة ، ويسحبن الأنفاس في انتشاء ، مطلقات غيوماً من الغبار والدخان في سعادة واندماج ، ضاربات عرض الحائط بكل القيم الاجتماعية ، وتحت زعم الحرية !!.










