يمثل المهرجان القومي للمسرح المصري أحد أهم المرايا التي يمكن من خلالها قراءة تطور الحركة المسرحية المصرية خلال العقدين الأخيرين؛ فهو لم يعد مجرد مناسبة سنوية لعرض حصاد الموسم المسرحي، وإنما أصبح فضاءً يجمع بين المنافسة والتكريم والنقد والتوثيق والتدريب ومحاولة توسيع قاعدة الجمهور والمشاركة.
ومنذ عودة المهرجان في صورته الحالية عام 2006، تعاقبت على قيادته أسماء متعددة، اختلفت ظروف كل مرحلة وأولوياتها، كما اختلفت رؤى القيادات في التعامل مع المهرجان، فكانت هناك مرحلة للتأسيس، وأخرى للاستعادة، ثم مراجعة اللوائح والرؤية، وتعزيز البعد النقدي، والتوسع في المشاركة، وبناء الذاكرة المسرحية، وصولًا إلى التوسع الجماهيري والجغرافي.
ومن ثم فإن قراءة تاريخ المهرجان لا ينبغي أن تتحول إلى مفاضلة شخصية بين رؤسائه، ولا إلى تعداد للإنجازات والفعاليات، وإنما إلى محاولة للإجابة عن سؤال أعمق:
ماذا أضافت كل قيادة إلى مشروع المهرجان؟ وما المشكلات التي عجزت عن حلها وانتقلت إلى القيادات التالية؟
ومن هنا تقوم هذه الدراسة على التمييز بين مستويين متكاملين:
الأول: تقييم أداء القيادة في ظروف مرحلتها.
الثاني: تقييم المهرجان بوصفه مؤسسة تراكمت خبراتها ومشكلاتها عبر تسع عشرة دورة.
أولًا: منهج تقييم أداء القيادات
حتى لا يتحول الحكم على القيادات إلى انطباعات شخصية، فإن تقييم كل مرحلة يستند إلى مجموعة من المعايير المتكررة، مع مراعاة الظروف الخاصة التي أحاطت بكل قيادة.
وتتمثل هذه المعايير في:
1 – الرؤية الفنية: مدى وضوح تصور القيادة لوظيفة المهرجان وهويته.
2- البناء المؤسسي: مدى تطوير اللوائح والآليات بما يضمن الاستمرارية.
3- اختيار العروض: العلاقة بين اتساع المشاركة وجودة الانتقاء.
4- التحكيم: استقلال لجان التحكيم ومدى وضوح معايير التقييم.
5- النقد والفكر: قدرة المهرجان على تحويل النقد إلى معرفة وسياسات تطوير.
6 -دعم الشباب: مدى إتاحة المجال للتجارب الجديدة والأجيال الصاعدة.
7-الجمهور: مدى نجاح المهرجان في الوصول إلى الجمهور وتوسيع قاعدته.
8-الانتشار الجغرافي: مدى الخروج من مركزية القاهرة والوصول إلى المحافظات.
9- التوثيق والذاكرة: مدى حفظ تاريخ المهرجان والحركة المسرحية المصرية.
10- الاستمرارية والتراكم: مدى الاستفادة من خبرات وتوصيات الدورات السابقة.
ولا يعني استخدام هذه المعايير أن جميع القيادات مطالبة بتحقيق النتائج نفسها؛ إذ ينبغي مراعاة طبيعة كل مرحلة، فالرئيس الذي تولى المهرجان بعد توقفه، مثلًا، تكون الأولوية في تقييمه لاستعادة المهرجان واستقراره، بينما يمكن مساءلة القيادة التي امتدت تجربتها لعدة دورات عن قدرتها على بناء سياسات طويلة المدى، وبذلك يصبح الحكم نسبيًا من حيث الظروف، وثابتًا من حيث المعايير.
ثانيًا: خريطة القيادات من الدورة الأولى إلى الدورة التاسعة عشرة
الدورات رئيس المهرجان السمة الأبرز للمرحلة
1-5 د. أشرف زكي التأسيس والاستقرار والاتساع
6 د. أحمد عبد الحليم استعادة المهرجان بعد التوقف
7-9 ناصر عبد المنعم إعادة التفكير في الرؤية واللوائح
10-11 د. حسن عطية تعزيز النقد والفكر والتوثيق
12- أحمد عبد العزيز التوسع في المشاركة والمسابقات
13-15 يوسف إسماعيل بناء الذاكرة والتوثيق والاهتمام بالحرف المسرحية
16-19 محمد رياض الانتشار الجماهيري والجغرافي وتوسيع قاعدة المشاركة
ثالثًا: تحليل أداء القيادات
1 ـ أشرف زكي: مرحلة التأسيس والانتشار، الدورات الأولى إلى الخامسة
كانت المهمة الأساسية أمام د. أشرف زكي تثبيت المهرجان بوصفه مؤسسة سنوية بعد عودته، وليس مجرد تنظيم دورة أو احتفال عابر،وقد شهدت الدورة الأولى عام 2006 مشاركة 36 عرضًا، ارتفع عددها في الدورة الثانية إلى 45 عرضًا، وهو ما يعكس الرغبة في استيعاب مساحة واسعة من الإنتاج المسرحي المصري.
ومن أهم إيجابيات المرحلة:
تثبيت المهرجان بعد عودته.
توسيع قاعدة المشاركة.
جمع قطاعات مختلفة من المسرح المصري.
ترسيخ المهرجان بوصفه حدثًا مسرحيًا قوميًّا سنويًا.
إنشاء تقليد للتكريم والجوائز.
لكن نجاح مرحلة التأسيس كشف في الوقت نفسه أول مشكلة بنيوية في المهرجان:
هل وظيفة المهرجان أن يعرض أكبر عدد ممكن من العروض، أم أن ينتقي أفضل ما أنتجته الحركة المسرحية المصرية؟
فالزيادة العددية ليست بالضرورة مؤشرًا على التطور الفني، وقد تتحول كثرة العروض إلى عبء على لجان المشاهدة والتحكيم والجمهور إذا لم تصاحبها آلية دقيقة للانتقاء.
وقد عادت توصيات الدورات المبكرة إلى قضايا من بينها العناية باللغة، واختزال عدد العروض، وتنشيط لجان المشاهدة وتحديد بعض الوظائف الفنية.
الحكم النقدي
نجح أشرف زكي بدرجة واضحة في التأسيس الإداري والمؤسسي والانتشار، لكن مرحلة التأسيس لم تحسم بصورة نهائية فلسفة الانتقاء الفني.
وبالتالي يمكن وصفه بأنه:قائد التأسيس والانتشار.
2 ـ أحمد عبد الحليم: مرحلة الاستعادة الدورة السادسة
جاء د. أحمد عبد الحليم في ظرف استثنائي؛ فقد توقف المهرجان عامي 2011 و2012، وعادت الدورة السادسة عام 2013، ومن ثم ينبغي ألا يقاس أداؤه بالمعايير نفسها التي تقاس بها قيادة مهرجان مستقر؛ لأن الأولوية في هذه المرحلة كانت إعادة المهرجان إلى الحياة، وهذا في ذاته إنجاز مؤسسي، لكن التجربة القصيرة لم تسمح بإحداث تحول عميق في بنية المهرجان، كما تكشف هذه المرحلة عن مشكلة تتجاوز شخص رئيس المهرجان، وهي ارتباط استمرارية بعض المشروعات الثقافية بالظروف السياسية والإدارية أكثر مما ينبغي، فالمهرجان القومي، باعتباره مؤسسة تمثل الحركة المسرحية المصرية، يحتاج إلى نظام مؤسسي يحمي استمراره ويقلل من احتمالات التوقف.
الحكم النقدي
نقطة القوة: استعادة المهرجان بعد التوقف.
المأخذ: قصر الفترة لم يسمح بتحول مؤسسي كبير.
ويمكن وصف المرحلة بأنها:مرحلة الاستعادة.
3 ـ ناصر عبد المنعم: مرحلة إعادة التفكير .. الدورات السابعة إلى التاسعة
تمثل مرحلة ناصر عبد المنعم محطة مهمة؛ لأن الاهتمام لم يقتصر على إقامة المهرجان، وإنما امتد إلى مناقشة آلياته وتطوير لائحته ومراجعة سلبياته وظهر الاهتمام بالشباب وبالتجارب الجديدة، كما برز التأكيد على استقلال لجنة التحكيم عن إدارة المهرجان، وهذه القضية جوهرية؛ لأن الثقة في نتائج أي مهرجان تنافسي تتطلب فصلًا واضحًا بين الإدارة التي تنظم وتدير، واللجنة التي تحكم وتقيم.
أهم إيجابيات المرحلة
الاهتمام بالشباب.
محاولة تطوير اللائحة.
مراجعة آليات العمل.
الاهتمام بالحضور الجماهيري.
التأكيد على استقلال التحكيم.
المأخذ
ظل التطوير في هذه المرحلة أقرب إلى تطوير آليات إدارة المهرجان منه إلى تأسيس منظومة علمية متكاملة لتقييم العرض المسرحي، فقد تطورت بعض آليات المهرجان، لكن لم تتطور بالقدر نفسه فلسفة التحكيم.
وهنا تظهر للمرة الأولى بصورة أكثر وضوحًا المشكلة التي ستظل ملازمة للمهرجان:
كيف نقيس جودة العرض المسرحي؟
الحكم النقدي
ناصر عبد المنعم: قائد إعادة التفكير.
4 ـد. حسن عطية: مرحلة الوعي النقدي.. الدورتان العاشرة والحادية عشرة
مع د. حسن عطية ازداد حضور النقد والفكر والتوثيق، وهو أمر يتفق مع تكوينه الأكاديمي والنقدي، فالمهرجان بدأ يتجاوز صيغة:شاهد العرض وامنحه جائزة، إلى صيغة أكثر اتساعًا:شاهد العرض، وفكر فيه، واكتب عنه، ووثّق تجربته،وهذا تطور مهم في شخصية المهرجان.
لكن هذه المرحلة كشفت مشكلة مؤسسية شديدة الأهمية، وهي تكرار التوصيات عبر الدورات، فإذا تكررت الملاحظة النقدية نفسها عامًا بعد عام، فهذا يعني أن المشكلة لم تعد في غياب النقد، وإنما في غياب آلية تحول التوصيات إلى سياسات تطويرية.
ومن هنا يجب أن يصبح السؤال بعد كل دورة:
ماذا تحقق من توصيات الدورة السابقة؟
ولماذا لم يتحقق ما لم ينفذ منها؟
الحكم النقدي
نقطة القوة: تعزيز البعد النقدي والفكري.
المأخذ: ضعف العلاقة بين التوصية النقدية وآلية تنفيذها ومتابعتها.
ويمكن وصف حسن عطية بأنه: قائد الوعي النقدي.
5 ـ أحمد عبد العزيز: مرحلة التوسع.. الدورة الثانية عشرة
شهدت الدورة الثانية عشرة توسعًا واضحًا في مفهوم المشاركة، واستيعاب قطاعات مختلفة من المسرح، إلى جانب مساحات للنقد والتأليف المسرحي ومجالات متنوعة، وهذا من أهم إيجابيات المرحلة؛ لأن المهرجان أصبح أكثر تمثيلًا للتنوع الحقيقي في الإنتاج المسرحي المصري،لكن اتساع قاعدة المشاركة يفرض مشكلة مقابلة:هل اتساع المشاركة أدى بالضرورة إلى اتساع قاعدة الجودة؟..
ليس بالضرورة،بل إن اتساع أنواع المسرح والجهات المنتجة يجعل استخدام معيار واحد بصورة حرفية أمرًا صعبًا ، فالعرض التجريبي، ومسرح الطفل، والمونودراما، والمسرح الراقص، والأوبرا أو الأوبريت، والعرض التقليدي، لا يمكن دائمًا الحكم عليها بالصيغة الميكانيكية نفسها، وهنا تظهر الحاجة إلى منظومة تحكيم متخصصة تحافظ على المبادئ العامة للتقييم، مع مراعاة طبيعة كل نوع من أنواع المسرح.
الحكم النقدي
نقطة القوة: توسيع قاعدة المشاركة والمسابقات.
المأخذ: اتساع المشاركة كشف الحاجة بصورة أكبر إلى تطوير الانتقاء والتحكيم.
ويمكن وصف المرحلة بأنها:مرحلة التوسع.
6 ـ يوسف إسماعيل: مرحلة الذاكرة والتوثيق ..الدورات الثالثة عشرة إلى الخامسة عشرة
تعد هذه المرحلة من أكثر مراحل المهرجان وضوحًا من الناحية الفكرية والتوثيقية، فقد حملت الدورات عناوين ذات دلالة:
دورة الآباء.
الكاتب المسرحي المصري.
المخرج المسرحي المصري.
وهو ما يعكس اهتمامًا بإعادة قراءة تاريخ المسرح المصري وإعطاء المؤلف والمخرج مكانتهما وربط الأجيال الجديدة بذاكرة المسرح.كما شهدت المرحلة تطورًا في الأرشفة الإلكترونية وبث بعض الندوات والورش، بما جعل المهرجان أكثر قدرة على حفظ جزء من ذاكرته.
أهم الإنجازات
1- الاهتمام بتاريخ المسرح المصري.
2-إعادة الاعتبار للمؤلف.
3- إعادة الاعتبار للمخرج.
4- توسيع المحاور الفكرية.
5- تطوير الأرشفة الإلكترونية.
6= تعزيز الجانب النظري والنقدي.
لكن الاحتفاء بالتاريخ يحمل خطرًا إذا تحول إلى حنين للماضي بدل أن يصبح وسيلة لاكتشاف المستقبل.
ولهذا فإن السؤال الأهم ليس:كيف نحتفي بتاريخ المسرح المصري؟، وإنما:
ماذا نتعلم من هذا التاريخ لكي نصنع مسرح الغد؟
الحكم النقدي
يوسف إسماعيل: قائد الذاكرة والتوثيق.
7 ـ محمد رياض: مرحلة الانتشار الجماهيري والجغرافي ..الدورات السادسة عشرة إلى التاسعة عشرة
تمثل هذه المرحلة تجربة مختلفة بسبب استمرار محمد رياض في رئاسة المهرجان أربع دورات متتالية، وهو ما أتاح إمكانية بناء سياسة أكثر اتصالًا من القيادات التي تولت دورة واحدة أو دورتين.
برز الاهتمام بالورش والشباب وتوسيع المشاركة، ولم يقتصر النشاط التدريبي على القاهرة، وإنما امتد إلى عدد من المحافظات في الدورة الثامنة عشر إلى أسيوط وطنطا وبورسعيد .
وفي الدورة التاسعة عشرة اتخذ هذا التوجه صورة أكثر وضوحًا من خلال شعار:
«المهرجان القومي للمسرح في كل مصر» وامتدت فعاليات الدورة إلى المنصورة، مع برنامج واسع من الفعاليات في مواقع متعددة، وهنا أرى أن أبرز ما يميز هذه المرحلة ليس مجرد زيادة عدد الفعاليات، وإنما:
محاولة كسر مركزية القاهرة.
وهذا تحول مهم في مفهوم المهرجان؛ فالمهرجان القومي لا ينبغي أن يكون قوميًّا في الاسم فقط، وإنما ينبغي أن يصل إلى جمهور مصر خارج المركز الثقافي التقليدي،لكن الانتشار الجغرافي لا ينبغي أن يصبح هدفًا في ذاته، فالسؤال الحقيقي هو:
هل ترك الانتشار أثرًا مستمرًا في الحياة المسرحية بالمحافظات؟
وهل تحول إلى سياسة دائمة، أم يظل مرتبطًا بدورة معينة؟
الحكم النقدي
محمد رياض: قائد الانتشار الجماهيري والجغرافي.
رابعًا: ماذا تقول لنا الدورات التسع عشرة مجتمعة؟
إذا ابتعدنا عن الأشخاص وانتقلنا إلى تقييم المؤسسة، يمكن رصد خمس مراحل كبرى:
المرحلة الأولى التأسيس والتثبيت.
المرحلة الثانية الاستعادة بعد التوقف.
المرحلة الثالثة مراجعة اللوائح والرؤية.
المرحلة الرابعة إدخال الفكر والنقد والتوثيق بقوة.
المرحلة الخامسة التوسع في المشاركة والانتشار الجماهيري والجغرافي.
وهذا يكشف أن المهرجان تطور إداريًا وتنظيميًا بصورة ملحوظة، لكن التطور المنهجي في بعض القضايا الفنية لم يكن بالمستوى نفسه، وهنا نصل إلى السؤال المركزي:ما الذي يعنيه «القومي» في المهرجان القومي للمسرح المصري؟، هل يعني:
أن يكون مهرجانًا تابعًا للدولة؟
أن يمثل جميع قطاعات الإنتاج؟
أن يقدم أفضل إنتاج مسرحي مصري؟
أن يكون مرآة سنوية للحركة المسرحية؟
أن يكون مهرجانًا تنافسيًا؟
أم أن يجمع كل هذه الوظائف؟
يبدو أن المهرجان حاول القيام بكل هذه الوظائف في الوقت نفسه، وهو ما أدى أحيانًا إلى تناقضات بين:
الشمول والانتقاء.
الكم والكيف.
المهرجان والمؤتمر الفكري.
التكريم والمنافسة.
الماضي والمستقبل.
المركزية والانتشار الجغرافي.
خامسًا: كشف حساب 19 دورة
ما تحقق فعليا يمكن القول إن المهرجان استطاع خلال تسع عشرة دورة أن يبني رصيدًا مهمًا يتمثل في:
الاستمرارية بدرجات متفاوتة.
توسيع قاعدة المشاركة.
استيعاب قطاعات متعددة من الإنتاج.
تكريم رموز المسرح المصري.
الاهتمام بالشباب.
إقامة ورش تدريبية.
تعزيز النقد والفكر.
بناء قدر من الذاكرة والأرشيف.
توسيع دائرة الجمهور.
بدء الخروج من مركزية القاهرة.
خلق مناسبة سنوية تجمع أطيافًا متعددة من المسرحيين.
وهذه ليست إنجازات قيادة واحدة، وإنما حصيلة تراكمية للقيادات المتعاقبة.
ولنقف عند ما لم يحسم بعد ففي المقابل ما تزال هناك قضايا تحتاج إلى معالجة مؤسسية أكثر وضوحًا:
1- فلسفة المهرجان: لم تحسم بصورة نهائية العلاقة بين كونه مهرجانًا تمثيليًا للحركة المسرحية ومهرجانًا لاختيار أفضل إنتاجاتها.
2- فلسفة الانتقاء: زيادة المشاركة ليست معيارًا كافيًا للنجاح إذا لم يصاحبها نظام دقيق للفرز والاختيار.
3- منظومة التحكيم:الحاجة ما زالت قائمة إلى تطوير منظومة معلنة ومنهجية للتقييم، تراعي طبيعة الأنواع المسرحية المختلفة وتمنع تكرار احتساب العنصر نفسه في أكثر من مجال.
4- استقلال التحكيم: التأكيد على الاستقلال خطوة مهمة، لكن الاستقلال الحقيقي يحتاج إلى لوائح وآليات واضحة تحميه.
5- التوصيات:ينبغي ألا تنتهي توصيات لجنة التحكيم مع حفل الختام، وإنما يجب أن تتحول إلى مادة للمراجعة في الدورة التالية.
6-قياس أثر المهرجان
لا يكفي قياس النجاح بعدد العروض والفعاليات والحضور؛ بل ينبغي قياس أثر المهرجان في تطور الحركة المسرحية.
7- العلاقة بين القاهرة والأقاليم: الانتشار الجغرافي خطوة مهمة، لكن التحدي الحقيقي هو تحويله إلى سياسة مستدامة تترك أثرًا في البنية المسرحية بالمحافظات.
سادسًا: تقييم القيادات في ضوء المعايير
د. أشرف زكي: قائد التأسيس والانتشار،أهم إنجازاته تثبيت المهرجان وتوسيع قاعدة المشاركة، وأبرز مآخذه أن التوسع العددي سبق أحيانًا بناء منظومة دقيقة للانتقاء والتقييم.
د. أحمد عبد الحليم: قائد الاستعادة، أهم إنجازاته إعادة المهرجان بعد التوقف، لكن قصر التجربة لم يسمح بتحول مؤسسي كبير.
ناصر عبد المنعم: قائد إعادة التفكير،تميز بمحاولة مراجعة اللائحة وتطوير المهرجان والاهتمام بالشباب والحضور الجماهيري والتأكيد على استقلال التحكيم.
د.حسن عطية: قائد الوعي النقدي،عزز البعد الفكري والنقدي، لكن تكرار بعض توصيات اللجان يكشف عدم وجود آلية مؤسسية كافية لتحويل النقد إلى سياسات تطوير.
أحمد عبد العزيز: قائد التوسع في المشاركة والمسابقات، وسع قاعدة المشاركة وفتح مجالات للنقد والتأليف ومسرح الطفل، لكنه واجه مشكلة ضبط العلاقة بين الاتساع والانتقاء.
يوسف إسماعيل: قائد الذاكرة والتوثيق، ربط المهرجان بتاريخ المسرح المصري، وأعطى المؤلف والمخرج مساحة فكرية واضحة، وطور الجانب التوثيقي والنظري.
محمد رياض: قائد الانتشار الجماهيري والجغرافي، تميز باستمرارية القيادة أربع دورات، وبالورش والشباب، وبمحاولة توسيع دائرة الجمهور والمشاركة، وبلغ هذا التوجه ذروته في الدورة التاسعة عشرة بالخروج المنظم إلى محافظة خارج القاهرة.
سابعًا: الحكم النهائي
لا أرى من العدل أن نضع القيادات السبع في ترتيب بسيط يبدأ بـ”لأفض” وينتهي بـ”لأقل نجاحا، فكل قيادة جاءت في ظروف مختلفة، وكانت أمامها أولويات مختلفة، والأدق أن نقول:
نجحت كل قيادة في إضافة جانب إلى شخصية المهرجان، لكنها لم تنجح بعد في تحويل هذه الإضافات المتراكمة إلى منظومة مؤسسية واحدة مكتملة.
فالمهرجان يمتلك اليوم رصيدًا مهمًا من:التاريخ، والتنوع، والجمهور، والشباب، والنقد، والورش، والتكريم، والأرشيف، والانتشار الجغرافي، لكن التحدي الأكبر أمامه هو الانتقال من:مهرجان يعكس الحركة المسرحية المصرية إلى:مؤسسة تسهم في قيادة وتطوير الحركة المسرحية المصرية.
ثامنًا: من الدورة التاسعة عشرة إلى الدورة العشرين
إذا كانت الدورة التاسعة عشرة قد مثلت نهاية مرحلة طويلة من التراكم، فإن الدورة العشرين ينبغي ألا تكون مجرد دورة جديدة في التتابع الزمني، بل يمكن أن تكون فرصة لمراجعة شاملة للمشروع.
وأرى أن الأولويات التي ينبغي طرحها أمام الدورة العشرين تتمثل في:
1- تحديد فلسفة المهرجان ووظيفته بوضوح.
2- إعادة النظر في العلاقة بين التمثيل والانتقاء.
3- وضع منظومة علمية للتحكيم ومعايير معلنة للتقييم.
4- تخصيص معايير تتناسب مع طبيعة الأنواع المسرحية المختلفة.
5- ضمان استقلال لجان المشاهدة والتحكيم.
6- إنشاء آلية لمتابعة توصيات كل دورة.
7- تقييم الأثر الحقيقي للمهرجان في الحركة المسرحية.
8- تحويل الانتشار الجغرافي إلى سياسة مستدامة.
9- ربط التكريم والتوثيق بالمستقبل لا بالماضي فقط.
10 -إيجاد صيغة تجعل المهرجان قادرًا على اكتشاف اتجاهات المسرح المصري الجديدة لا مجرد تسجيل ما تحقق.
خاتمة
بعد تسع عشرة دورة، لم يعد السؤال الأهم: من كان أفضل رئيس للمهرجان القومي للمسرح المصري؟، وإنما:ماذا تعلمنا من تسع عشرة دورة؟
فالتاريخ الذي صنعته القيادات المتعاقبة أصبح الآن أكبر من أي قيادة منفردة، والمشكلات التي تكررت عبر السنوات لم تعد مشكلات أشخاص، وإنما أصبحت قضايا مؤسسة تحتاج إلى حلول مؤسسية.
ومن هنا فإن القيمة الحقيقية للدورة التاسعة عشرة لا تكمن فقط في كونها آخر حلقات السلسلة، وإنما في أنها تتيح للمهرجان أن ينظر إلى مسيرته من الخارج، وأن يراجع ما تحقق وما لم يتحقق، وأن يحول الخبرة المتراكمة إلى مشروع للمستقبل.
لقد انتقل المهرجان عبر مراحله من التأسيس إلى الاستعادة، ومن المراجعة إلى النقد، ومن التوسع إلى التوثيق، ثم إلى الانتشار الجماهيري والجغرافي.
والخطوة التالية التي تفرض نفسها هي الانتقال:من تراكم الخبرات إلى بناء المؤسسة.،ومن مهرجان يعكس واقع المسرح المصري إلى:مهرجان يشارك في صياغة مستقبل المسرح المصري.
وهنا يصبح السؤال الذي ينبغي أن يفتح به المهرجان دورته العشرين أكثر أهمية من أي سؤال آخر:
كيف يتحول المهرجان القومي للمسرح المصري من مناسبة سنوية للاحتفاء بالمسرح إلى مشروع مؤسسي مستدام لتطوير المسرح المصري؟









