مبدأ حسن النية في العقود هو قاعدة قانونية وأخلاقية أساسية توجب على كل طرف معاملة الطرف الآخر بأمانة، وصدق، وإخلاص. لا يقتصر الالتزام التعاقدي على ما كتب حرفياً في العقد فقط، بل يمتد ليشمل كل مستلزماته وفقاً للقانون، والعرف، والعدالة بحسب طبيعة الالتزام. يقصد بارتباط حسن النية في مرحلة تنفيذ العقد، من حيث تحديد نطاقها داخل العقد وتأثيرها على القوة الملزمة للعقد، فتوضح أن إقرار مبدأ حسن النية في تحديد نطاق العقد، من خلال البحث عن عملية تفسير النزعة الذاتية والموضوعية للعقد، من ناحية سلوك الفرد في التعبير عن الإرادة المكونة للعقد حيث خول المشرع للقاضي سلطة تفسير العقد، إذا وجدت عبارات غامضة أو في حالة ثبوت الشك لديه في معناها، وذلك من خلال الاستعانة بنص المادة 2/111 من القانون المدني
، حتى يقف على النية المشتركة لأطراف العلاقة التعاقدية في التعبير عن إرادتهما حول إبرام العقد، كما أقر له عوامل تساعده على تكملة العقد كالقانون والعرف والعدالة والتعاون والأمانة والنزاهة وعدم استعمال التعسف وهذا من أجل تحقيق التوازن العقدي وفقا لمقتضيات حسن النية،
وتعتبر هذه السلطة المخولة للقاضي استثناء على الأصل العام الذي يقرر حرية الإرادة التعاقدية، لكن تجنبا للخلافات التي قد تثار بين المتعاقدين مستقبلا ، منحت له هذه السلطة من أجل تنظيم العقد وتحديد مضمونه بشكل دقيق
يسعى المشرع في كل القوانين الى سن تشريعات تهدف الى الحفاظ على إستقرار المعاملات القائمة بين الاشخاص في المجتمع لما يحققه ذلك من سمو المجتمع وازدهاره وتقدمه، ولا يخفى ما للاثر السلبي لفسخ العقود القائمة إذ يؤدي الفسخ الى زعزعة الامن والاستقرار القانوني و بالتالي الى عدم استقرار النظام لذا فقد جهد الفقه والقضاء الى تخفيف الاثر السلبي للفسخ ومحاولة ابقاء العقد بكل الوسائل المتاحة و من اهم تلك الوسائل الفاعلة هو مفهوم حسن النية وتكييفها لتخفيف الاثر المترتب على الفسخ.
ويعتبر فسخ العقد من أهم المواضيع التي كانت ولا زالت تشغل الفكر القانوني، لما له من صدى واسع في النظام القانوني السائد، فهو يؤدي الى زعزعه حسن سير المعاملات والى انهيار الثقة بالمبادئ القانونية الخاصة بالعقود. لذا فقد حرص الفقه والقضاء على ايجاد الحلول القانونية لحماية تلك العقود من الفسخ وكان من ابرز تلك الحلول هو تكييف حسن النية وجعلها وسيله فاعله لحماية العقد من الفسخ. يعتبر الفسخ جزاء لإخلال المدين بالتزاماته التعاقدية لذا يستقر الفقه والقضاء على ان عدم التنفيذ الراجع الى خطأ المدين هو شرط اساسي في الفسخ وبذلك إذا لم يكن هناك خطأ من المدين قد نشأ عنه عدم التنفيذ جاز للمدين ان يطلب من القاضي منع تفعيل الفسخ اذ ان من المبادئ المسلمة هو وجوب مراعاة حسن النية في الاتفاقات
. وفي محاولة للحد من الاثر المدمر للفسخ على العقد احاط المشرع مرحلة تنفيذ العقد بضمانات تكفل في مجملها الحد من الفسخ ومن مقدمة تلك الضمانات هو مراعاة مبدأ حسن النية وشرف التعامل. ولبيان دور حسن النية في حماية العقد من الفسخ لابد من بيان مفهوم حسن النية في الفرع الاول من هذا المطلب ومن ثم بيان كيفية الحد من الفسخ بمراعاة حسن النية في الفرع الثاني.
الفرع الاول: مضمون حسن النية.
ليس من السهل ايجاد تعريف محدد لمبدأ حسن النية ذلك ان فكرة حسن النية هي في الاصل فكرة اخلاقية نصت عليها غالبية التشريعات المقارنة حيث اوجبت تنفيذ العقود بحسن نية، ففكرة حسن النية فكرة مختلطة بالأخلاق في القانون فوحدة القياس في الاخلاق تختلف عنها في القانون الا ان مبدأ حسن النية يشكل نقطة امتزاج بينهما
وعلى الرغم من كثرة النصوص التي تتناول اثر حسن النية في المعاملات المدنية فأن المشرع لم يضع تعريفاً لها اما الفقه فقد اتجه في قسم منه الى وضع تعاريف عامة وذلك لاختلاط مفهوم حسن النية بمفاهيم الاخلاق في حين يرفض جانب اخر من الفقه هذه المفاهيم اذ ان تحديد مفهوم لمبدأ حسن النية يعتريه العديد من الصعوبات ذلك ان هذا التحديد متعلق بالدور الذي يلعبه حسن النية، فلهذه الاخيرة ادوار عديدة ومتباينة مما يؤدي الى اختلاف المعنى المقصود من حالة الى اخرى فمبدأ حسن النية ذو طبيعة مرنة ففي اطار تنفيذ العقود تعني الاستقامة والامانة وانتفاء الغش ومراعة ما يجب ان يكون من اخلاص في تنفيذ ما التزم به المتعاقد وفي كسب الحقوق يعني عدم العلم بالعيب الذي يشوب التصرف
. وفي تكوين العقد فأنها تعني الالتزام بتوجيه الارادة في تحقيق الغرض المباشر من ابرام العقد بحيث ينسجم مع المصالح المشروعة للطرف الاخر اذ ان “مبدأ حسن النية باختراقه التقنية القانونية يفقد وحدته ولا يمكن بتفاعله مع القواعد القانونية التي يعدل اتجاهها الا ان يعرف وفقاً لهذه التقنية التي يندمج فيها”
وقد يعود السبب في عدم القدرة على تحديد مفهوم حسن النية هو ان اغلب الفقه يتحدث عن الجهل عند مناسبة الحديث عن حسن النية، الغلط والخطأ وكل هذه الافكار تنبع من ذات الانسان اي انها مفاهيم وافكار ذاتية وقياسها يكون مرتبط بعواطف وافكار الانسان وهي افكار متجددة ومتغايرة بشكل نسبي باختلاف الثقافة والفكر.
ومما تقدم اعلاه يمكن ان نتوصل الى ان مضمون حسن النية يكمن في ضوء اتجاهين:
الاول: مضمون حسن النية وفق المعيار الشخصي او الذاتي.
ان المبدأ العام الذي ساد الفقه هو ان حسن النية يعتبر امر مفترض وهو قرينة قانونية عامة، على الرغم ان المشرع لم يقم بافتراضه بصورة صريحة الا انه يمكن استخلاص ذلك في مواقع خاصة، ولابد لسوء النية من مظهري وهذا المظهر او التعبير هو من قبيل الوقائع القانونية التي يمكن اثباتها بكافة طرق الاثبات اذ يمكن ذلك بالبينة كما يمكن اثباتها بالقرائن ايضا
، فهي ليس من الوقائع المفترضة بل لابد من ان تنصب البينات والقرائن على تقرير الاتجاهات النفسية الباطنة للمتعاقد ومن ثم المرور الى ضميره لمعرفة حقيقة النية او الباعث الذي ظهر في عمله، من ذلك يتضح ومن باب مفهوم المخالفة ان حسن النية وفقا للمعيار الذاتي تعني صورة المتعاقد الذي لا ينوي الاضرار بالمتعاقد الاخر ولا ينوي كسب منفعة غير مشروعة على حسابه.
وإذا كان القضاء يقوم باستخلاص سوء النية من عدة قرائن اهمها الخطأ الجسيم فهذا الاخير قرينة موضوعية على الخطأ العمد وليس ملحقاً به.
اذ ان سوء النية امر ذاتي اي يكمن في نفس الفاعل وضميره ويمكن الكشف عنه من خلال عدد من المظاهر الخارجية وحسن النية بالمعيار الذاتي يتجسد بمعيار انتفاء سوء النية وما ينتج عنها من خطأ جسيم
ولا يقال عن المتعاقد بأنه حسن النية وفق المعيار الذاتي الا إذا انتفى عنه سوء النية ومظاهر سوء النية هي الخطأ العمد والغش والتعسف في استعمال الحق بسوء نية والخطأ الجسيم باعتباره ملحقاً بالغش.
وعليه يمكن القول ان حسن النية ينهض عندما تنتفي سوء النية للمتعاقد قمن باب مفهوم المخالفة إذا لم يكن لدى المتعاقد سوء نية فأن حسن النية موجود. ويمكن في رأينا تعريف حسن النية في هذا المورد بانها” التصرف الذي ينتفي معه اي مظهر من مظاهر سوء النية”.
وشروط حسن النية يمكن ايجازها بالآتي:
1.انتفاء نية الاضرار بالغير: ان مفهوم حسن النية بصورة عامة تتجلى بنفي الخطأ وبما ان هذا الاخير هو أحد الاركان الثلاث للمسؤولية المدنية فحسن النية يستلزم بهذا المفهوم هدم أحد الاركان الثلاث للمسؤولية المدنية.
فالخطأ هو ان يتصرف الانسان على غير ما يجب ان يكون عليه تصرفه وبعبارة اخرى هو انحراف في السلوك
اذ ان العنصر الموضوعي للخطأ يكون في صورة ترك تنفيذ الواجب او العمل على وجه يخالف ذلك الواجب، كما يدخل في مضمون ذلك ترك العمل حيث ان “ترك الفعل فعل، لان معنى الترك توجه الارادة نحو الامساك عن الفعل ولا شك ان في هذا الامساك فعلا”
. فالعنصر الموضوعي في الخطأ يتطلب شرطان الاول: ان يكون الدائن قد خرق حقا من حقوق المدين او مصلحة من مصالحه التي يحميها القانون. والثاني ان لا يكون للدائن حق اقوى من حق المدين
اما العنصر المعنوي للخطأ العقدي فهو وجوب ان ينطوي الفعل على النية الضارة المستنكرة اجتماعيا او على مجرد توفر الوعي والتمييز لدى مرتكب الاعمال او عديم التبصر والنية هي الارادة المتجهة نحو هدف ما، وبهذا المعنى يخرج من إطار النية الضارة الواقعة اللاإرادية اذ يستحيل مسألة الانسان عن الحادث القهري الذي يسوقه القضاء والقدر على يديه او عن الواقعة التي يكرهه الانسان على فعلها ماديا
2.انتفاء الخطأ العمد:
عرف الخطأ العمد بانه “انصراف النية الى الاضرار بالغير” اذ يعتبر الانسان قد اقترف خطأ متعمدا في جميع الحالات التي تنصرف فيها ارادته الى الاضرار بالأخرين إذا ما وقع هذا الضرر بالفعل. كما عرف بانه ذلك الفعل او الترك الصادر عن سيء النية وحيث ان النية هي عبارة عن ارادة متجهه نحو هدف ما
، فلا يشترط حتما ان تتجه النية الى الاضرار بالغير مباشرةً بل يكفي ان تتجه الى الانتفاع الشخصي عن طريق الاضرار بالغير، كالتاجر الذي يقوم بعمل من اعمال المنافسة غير المشروعة فهو لا يريد الاضرار بمنافسه بقدر ما يريد الاثراء شخصيا ومع ذلك يعد قاعدة الاضرار بالغير
ان وجود الباعث المشروع على ايقاع الضرر عمدا ينفي عن الفعل صفة الخطأ العمد كما لو خالف الشخص المؤتمن على السر الذي يعتبر التزام عقدي يتضمن عدم افشاء الاسرار محل العقد الا ان هذا الباعث يقدر تقديرا موضوعيا ولا يكتفي بتقدير الفاعل الشخصي فلا يجوز للمؤتمن على السر افشاءه الا في حالة وأحدة وهي حالة اعتقاده بضرورة إذاعة ذلك السر كما في حسن الباعث في افشاء الطبيب لسر مريضه لزوجته عن اعتبارات انسانية سامية
2.حسن النية وفق المعيار الموضوعي
وفقا لهذا المعيار يتم تقدير وجود او عدم وجود حسن النية بالنظر الى المسلك المألوف للشخص المعتاد وبما ان حسن النية يتكون من فكرة موضوعية فهو يعد نموذجاً مجردا يجب ان يقاس اليه تنفيذ العلاقة العقدية ويرتبط حسن النية في هذا الصدد بالعناية التي يبذلها الشخص العادي وبذلك لا يستلزم الامر البحث في نية المدين بل نكون هنا امام معيار مادي يتضمن قياس مسلك المدين بمسلك الرجل العادي المتوسط
اذ ان تقرير ما إذا كان المتعاقد قد نفذ التزامه التعاقدي وفقا لمضمون حسن النية هي مسألة موضوعية يفصل فيها القضاء بالنظر الى عوامل عدة اهمها ظروف الحال التي تم فيها هذا التنفيذ لأنه لا يستلزم من المدين القيام بأداء معين ولا يفرض عليه اتخاذ مسلك محدد مقدماً، بل انه يوجب على القاضي حينما يقوم ببحث توافر حسن النية ان ينصب بحثه على الوقائع والظروف من الناحية الموضوعية بغض النظر عن اعتقاد المدين بانه كان حسن او سيء النية
فمعيار الرجل المعتاد يقوم على الاخلاق اذ ان الرجل المعتاد هو الرجل الملتزم بالأخلاق الاجتماعية فمن “مزايا الاخذ بمعيار الرجل المعتاد انه يربط بين قواعد الاخلاق والقواعد القانونية لان الرجل العادي انما يهتدي في تصرفاته بما تمليه عليه قواعد الاخلاق فاتخاذ مسلكه نموذجا لما يجب ان يكون عليه مسلك عامة الناس من شأنه ان يضفي على الواجبات القانونية التي يتم تعيينها وفقا لهذا النموذج صبغة اخلاقية طيبة”.والعناية المطلوبة من قبل القانون هي العناية المعتادة من شخص يهتم بشؤونه وهي عناية متوسطة لا اثر فيها للإهمال او العجلة المفرطة ان المشرع لا يتمسك بمعيار ذاتي بحت وحده ولا بالمعيار الموضوعي فهو اعتبر المعياران متكاملان وان معيار حسن النية معيار ذاتي ومادي معاً، لذلك فان القول بانه معيار ذاتي فحسب يستلزم الوقوف عند نية المدين وقت التنفيذ وهذا الامر يؤدي للقول الى صعوبة الكشف عن النية واستحالة استقصائها احياناً ولذلك يستعين القاضي بمعايير مادية اخرى للوصول اليها كالعرف وقواعد المهنة ونزاهة المعاملات وهو سلوك يثنى عليه المشرع العراقي اذ لا يمكن الاعتداد بالمعيار الشخصي وحده ولا بالمعيار الموضوعي وحده بل لابد من الجمع بينهما للخروج بالقول بوجود او عدم وجود حسن النية.
—
الدكتور عادل عامر
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










