العملات الافتراضية المشفرة أو البتكوين وما سار على نهجه من عملات تتداول عبر الشبكة العنكبوتية دون وجود حقيقي لها باتت من الموضوعات التي تشغل الناس خاصة علماء الاقتصاد فيما يؤكدونه من آثار خطير على الأفراد والمجتمعات التي تقع فريسة لهذه العملات وكذلك من عمليات سوء استخدام يلجأ إليه الباحثون عن الثراء دون جهد وهواة المغامرة واستخدام كل جديد فضلا عن التنظيمات السرية التي عادة ما تبحث عن وسائل لا تستطيع الجهات الرسمية تتبعها أو التحكم فيها أو ضبط نشاطها بضابط القانون .
كما يهتم بمثل هذه الأمور علماء الفقه لأنها تدخل في دائرة الحلال والحرام خاصة وأن الفقه الاسلامي له باع طويل وواسع في الفكر الاقتصادي سواء في إبداعه واسائل للمعاملات أو في ضبط التعاملات ضبطا قانونيا يحفظ على أطرافها حقوقهم ويحفظ على المال أهميته باعتباره وسيلة لتيسير حياة الناس .
لذا كان من مشروع وزارة الأوقاف المصرية الفكري الذي تتشعب فروعه الاهتمام بهذه القضية كقضية فقهية تشغل الناس ويتعرض لها الأئمة في مساجدهم فأخرجت كتابا يتناول هذه القضية بجوانبها المختلفة وحشدت له خمسة من العلماء المتخصصين في الفقه والقانون والاقتصاد من مصر وخارجها بل جعلت هذا الموضوع ضمن محاور المؤتمر الثالث والثلاثين للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية ” الاجتهاد ضرورة العصر صوره وضوابطه ورجاله والحاجة إليه” .
الكتاب ضم خمسة ابحاث بالإضافة لمقدمة للدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف يفسر فيها سر هذا الاهتمام الذي من ضمنه منع الغرور الذي يتمثل في الغش والاحتيال فقد أشارت إلى ذلك أحاديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال لصحابته لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر” لأن المغامرة هذه أو المقامرة بشراء غير معلوم يقينا ظنا بوجوده يترتب عليه آثار سلبية على الأفراد والجماعات .
تحت عنوان الاجتهاد في المجال الاقتصادي كتب الدكتور مصطفى محمد عرجاوي استاذ القانون المدني بجامعة الأزهر فعرف العملات الافتراضية بأنها عملات يتم التعامل بها في الواقع الافتراضي بعيدا عن الحكومات والبنوك المعتمدة والرقابة القانونية وهي بلا غطاء مالي حقيقي لأنها تتم من خلال شركات أو مؤسسات تتمتع بالسرية شبه المطلقة .وبعد أن يستعرض انواعها يتناول ما قالته دار الإفتاء المصرية في حكم التعامل بها والتي ركزت على عملة البتكوين العملة الأشهر والأكثر انتشارًا فقد حرمت التعامل بها وعللت ذلك بأنها ليست وسيط مقبول للتبادل من الجهات الرسمية والخاصة بذلك في العالم ولما تشمل عليه من ضرر بالإفراد والمجتمعات لما بها من الغش والجهالة في مصرفها ومعيارها وقيمتها كما أنها غير مرئية أي ليس لها وجود في الواقع والقاعدة الشرعية تقول:” الضرر يزال” والحديث النبوي يقول “لا ضرر ولا ضرار”
أما الدكتور عبد الله المصلح الأمين العام للمجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة فقد كتب تحت عنوان العملات الافتراضية في ميزان الحكم الشرعي ” فيبدأ باعتبارها من النوازل التي ابتليت بها المجتمعات ثم يستعرض قصة النقود في الفكر الاسلامي فيذكر أن الفقهاء تناولو النقود أو تعرضوا لها عندما تحدثوا عن زكاة الذهب والفضة وزكاة الركاز وهي ما يستخرج من باطن الأرض كما تناول النقود في حديثهم عن الربا والشراكة والاقتراض وبعد أن يستعرض اراء الفقهاء في تعريف النقود والتي هي :كل ما يقوم مقام الذهب والفضة ويؤدي وظائفهنا “ثم يستعرض تعريف الاقتصاديين وهو كل شىء يقبله المجتمع قبولًا عاما بحكم العرف أو القانون أو قيمة الشىء نفسه ويكون قادرًا على أن يكون وسيطًا في عمليات التبادل المختلفة للسلع والخدمات ويكون صالحًا لتسوية الديون وابراء الذمم ” وهو تعريف لا يختلف عن رأي الفقهاء كما يقول .
وقد توسع الدكتور المصلح في البحث حتى أحاط بموضوع النقود الافتراضية بمختلف جوانبها وهو ما سوف نستعرضه وكذلك بقية الآراء في مقال قادم .










