د. فارس الحسينى يكتب.. الحِصانُ الحَكِيمُ وَالحَمِيرُ الثَّلاثَةُ!


لَقِيَ حِصانٌ حَكِيمٌ ثَلاثَةَ حَمِيرٍ إخوَةٍ ، في طَرِيقِهِ إِلى الحَقلِ ، فَسَلَّمَ عَلَيهِم ، ثُمَّ قالَ لَهُمْ :

_ إِلَى أينَ أنتُمْ ذاهِبُونَ يا أبناءَ عَمِّي ؟!

فَقَالَ الحِمارُ الأَكبَرُ :

_ أَنا ذاهِبٌ إِلى مُسابَقَةِ ( الحَيَوانُ الأَذكَى عَقلًا ) !

فَقَالَ الحِصانُ – بِاستِغرابٍ – :

_ وَ هَلْ تَتَوَقَّعُ الفَوزَ مَعَ وُجُودِ ( القِرد )؟!

فَقَالَ الحِمارُ الأَكبَرُ ، بِكّلِّ جَزمٍ ، :

_ بِالتَّأكِيدِ ، بِالتَّأكِيد !

ثُمَّ أَخَذَ الحِمارُ الأَكبَرُ يَرفَعُ ذَيلَهُ ، وَ يُحَرِّكُ أَذُنَيْهِ ، وَ هُوَ يُنشِدُ ناهِقًا ، :

أَنَا الحِمارُ ؛ وَ لِيْ عَقْلٌ وَ لِيْ فِكَرُ

لا (القِردُ) يَملِكُهَا ،كَلَّا،وَ لا (البَشَرُ )!

لِيَ الذَّكاءُ الَّذِي مَا مِثْلُهُ أبَدًا

فَصِيْتُهُ فِي جَمِيعِ الأَرضِ يَنتَشِرُ !

كَشَفْتُ ظاهِرَ أَكوانِيْ وَ باطِنَهَا

فَاللُّغزُ عِندِيْ جَلِيٌّ لَيسَ يَستَتِرُ

أَنا الحِمارُ ، وَ أجدادِي عَباقِرَةٌ

وَ طَالَمَا اختَرَعُوا الأَشيَاءَ وَ ابْتَكَرُوا!

فَقَالَ الحِصانُ الحَكِيمُ لِلحِمارِ الأَوسَطِ :

_ وَ أنتَ إِلى أينَ ذاهِبٌ ؟!

فَقَالَ الحِمارُ الأَوسَطُ :

_ إِلى مُسابَقَةِ ( الحَيَوانُ الأَجمَلُ صَوتًا ) !
فَقَالَ الحِصانُ ، بَتَعَجُّبٍ ، :

_وَ هَل تَتَوَقَّعُ الفَوزَ بِالمَركَزِ الأَوَّلِ ، مَعَ وُجُودِ مُنافِسِكَ طائِرِ
(الشُّحرُور) ؟!

فَقَالَ الحِمَارُ الأَوسَطُ ، بِكُلِّ ثِقَةٍ ، :

_ بالطَّبعِ ، بالطَّبعِ !! ؛ الفَوزُ مَضمُونٌ بِلا أَدنَى نِسبَةِ شَكٍّ !

ثُمَّ أَخَذَ يَمشِي مُختالًا مَادًّا عُنُقَهُ ، و مُكَشِّرًا عَن أسنانِهِ ، وَ هُوَ يُنشِدُ ناهِقًا ، :

أنَا الحِمارُ ، وَ صَوتِيْ كُلُّهُ عَجَبُ

لَحنِيْ رَقِيقٌ إِلَيْهِ النَّفسُ تَنْجَذِبُ !

أَنَا الحِمارُ ، وَ صَوتِيْ حِينَ يَسمَعُهُ

يَكَادُ يُورِقُ مِنْ تَرجِيعِهِ الحَطَبُ !

يَهِيْمُ مِنْ نَغَمَاتِي كُلُّ ذِي أُذُنٍ

تَجثُو لَهُ، مِنْ غِنَائِي المُطرِبِ، الرُّكَبُ

فَلَيسَ يَمتَلِكُ (الشُّحرُورُ) حَنْجَرَتِي

إِذَا تَغَنَّيْتُ هَزَّ العَالَمَ الطَّرَبُ !

فَقالَ الحِصانُ الحَكِيمُ لِلحِمارِ الأَصغَرِ ، :

_ وَ إِلى أينَ أنتَ ذاهِبٌ ؟!

فَقَالَ الحِمَارُ الأَصغَرُ :

_ إِلى مُسابَقَةِ ( الحَيَوانُ الأَكثَرُ صَبْرًا) !

فَقَالَ لَهُ الحِصانُ الحَكِيمُ :

_ وَ هَل تَتَوَقَّعُ لَكَ الفَوزَ ؟ !

فقالَ الحِمارُ الأَصغَرُ :

_ كَلَّا ، الفَوزُ غَيرُ مَضمُونٍ مَعَ وُجُودِ( الجَمَل )!

ثُمَّ اَخَذَ الحِمارُ الأَصغَرُ يُنشِدُ ،

أنا الصَّبُورُ ، وَ لكِنْ لَسْتُ كَالجَمَلِ

لَكِنَّنِي سَوفَ أَسعَى دُونَمَا كَلَلِ !

لا يُدْرَكُ الفَوزُ إِلَّا عَن مُثَابَرَةٍ

عَلَى النَّجاحِ بِلا عَجْزٍ ، وَ لا كَسَلِ !

فَإِنْ نَجَحْتُ ؛ فَإِنَّ اللهَ وَفَّقَنِي

جَزَاءَ ما قَدَّمَتْ نَفسِيْ مِنَ العَمَلِ !

وَ إِنْ فَشِلْتُ ؛ وَ لَم أَظْفَرْ بِجَائِزَةٍ

فَلَنْ أَلُومَ سِوَى نَفسِيْ عَلَى الفَشَلِ !

فَابتَسَمَ الحِصانُ الحَكِيمُ وَ قَالَ لِلحِمارِ الأَصغَرِ :

__ أَتَوقَّعُ لَكَ الفَوزَ !
…………………………………….

وَ في اليَومِ التَّالي شَاهَدَ الحِصانُ الحَكِيمُ الحَمِيرَ الثَّلاثَةَ الإِخوَةَ ، رَأى الحِمارَ الأَكبَرَ يبكي و ينطحُ رأسَهُ في جِذعِ شَجرةٍ ضَخْمَةِ وهو يُرَدِّدُ :
_ أنتَ حمارٌ وتَبقى حِمارًا إِلى الأبد ! ، غبي! ، غبي ! ، سَوفَ أُحَطِّمُ هذا الرَّأسَ الغَبِيَّ !
أَمَّا الحمارُ الأوسَطُ فَقَد كانَ يَنتَحِبُ وَ يَتَمَرَّغُ في التُّرابِ ، وَ هُوَ يَقُولُ :
_ أصبَحتُ سُخرُيَةَ الغابَةِ بِصَوتِيَ المُنكَرِ ، واخَجَلاهُ ، واعارَاهُ مِنْ صَوتِيَ القَبِيحِ المُزعِج !
أَمَّا الحِمارُ الأَصغَرُ فَقَد كانَ يَبتَسِمُ وَ هُوَ يَحمِلُ الجائِزَةَ ، فَاقتَرَبَ الحِصانُ الحَكِيمُ مِن الحِمارِ الأَصغَرِ وَ قَالَ لَهُ :

_ أَ لَم أتَوَقَّعْ لَكَ الفَوزُ في المُسابَقةِ دُونَ أَخَوَيْكَ ؟!

فَقَالَ الحِمارُ الأَصغَرُ ، بِاندِهاشٍ ، :

_ بَلَى وَ لكِن كَيفَ تَنَبَّأتَ بِذلِكَ ؟!

فَقَالَ الحِصانُ الحَكِيمُ:

_ لِأَنَّكَ أَكثَرُ حِكمَةً مِنْ أَخَوَيْكَ ؛ فَأنتِ تَعرِفُ حُدُودَ قُدُراتِكَ ، وَ مَجَالَ مَوهِبَتِكَ ، وَ لَيسَ فيكَ الغُرُورُ الأَعمَى الَّذي عِندَ أَخَوَيْكَ ، فَلَدَيْكَ مِنْ أسبابِ الفَوْزِ وَ النَّجاحِ ما ليسَ عند أخَوَيْكَ !

سَكَتَ الحِصانُ الحَكِيمُ، ثُمَّ أَنشَدَ :

كُلٌّ يَسِيرُ على دَرْبٍ لَهُ رُسِمَا

وَ لَيسَ يُحرِزُ إِلَّا ما لَهُ قُسِمَا !

وَ كُلُّ مَنْ يَتَعَدَّى فَوقَ طاقَتِهِ

أَو فَوقَ قُدرَتِهِ ؛ فَنَفسَهُ ظَلَمَا !

شاهد أيضاً

د.سامح صابر يكتب.. عين تسمع وأذن ترى.. سمفونية “شهرزاد” ومعراج الخيال البصري

​تتجاوز الموسيقى كونها مجرد اهتزازات صوتية تلامس الأذن ، لتتحول في ذهن المستمع إلى لغة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *