وأقبلَ ذلك الزمن الذي تُزَخرَفُ فيه دور العبادات، تلك آفة لا تقل خطلاً وخطراً عن ذيوع المعازف والقينات.. هذه بدعة اتسع فيها الخرق على الراقع، واضطرد وتنامى إثمها وجفت فيها المنافع…
باديء ذي بدء
لقد كان من كمال تشريف الرسالة المُحمدية، عمومية التوسط في الإنفاق، وعدم التكلف بما لا يُطاق، فجُعلت لخاتم الرسل وأمته الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل أدركته الصلاة فليُصَلِ وأجره مكفولاً،،
وبمطلق الوسطية في الإنفاق، ذم الشرع الحنيف زخارف المساجد ، وأقَرّ وأمرّ بالاعتدال في بناء المساجد… وتقييد المطلق هاهنا فرض عين، لئَلَا تحل دُهيماء الفتن في الأرضين..
بناء المساجد فريضةٌ مُحكمة، والبذخ في زخارفها ثلمة صاخبة…
والإفراط في الزخرفة نقيصة لا فضيلة… ويتعارض جملة وتفصيلاً مع باب فقه الأولويات وسد الذرائع، فكيف إذا أُحصي بناء آلاف المساجد بزخارف طائلة، والبطون خاوية، والمدارس والمستشفيات مقيدات ، والأيامى واليتامى شاحبات…..
زخارف المساجد والكنائس بالمال العام أو الخاص ، لم يقتصرا على بقعة دون أخرى، فقد عمت الآفة كل الحضر والقرى والنجوع… وبأولوية خاصة تجعل من تكلفة بناء المسجد الواحد ما يربو من ثلاثة ملايين فأكثر، فكيف بشأن تكاليف عدة مساجد في حيز جغرافي متقارب، ثم كيف بشأن تكاليف بناء الكنيسة الواحدة، التي تتضاعف نفقاتها تكلفة عدة مساجد…
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الإفراط في زخارف المساجد ( لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد ) فيعلق أنس رضي الله عنه : يزخرفونها ثم لا يعمرونها إلا قليلاً…
ويُعقب ابن عباس رضي الله عنهما تماهياً : لتزخرفونها كما زخرفت اليهود والنصارى….
ويُحذر النبي مجدداً من الاستغراق والإغراق في هلكة الزخارف ( إذا زخرفتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدمار عليكم )
وينطلق عمر رضي الله عنه بقاعدة رسول الله فيقول عند بناء المساجد ( أكنّ النَاس من الحر والقُر ولا تُحَمَر ولا تُصَفَر فتفتنَ الناس ) …
وبنفس آفة البذخ في بناء المسَاجد، تتزَخرَف الكنَائس بأضعاف ما تَتَزَخرَفُ به المساجد..
فيقول مارتن لوثر في هذا الشأن ( ليس المهم أن تكون الكنيسة من ذهب والقساوسة من خشب، بل الأهم أن تكون القساوسة من ذهب والكنيسة من خشب ….
وما يستوجب الفائدة لزوماً مما سلف سرده، الإيماء إلى غاية الوسطية في الإسلام، بالاعتدال في الإنفاق، والاستمساك بمزية فقه الأولويات وسد الذرائع مقدم على جلب المنافع…










