يتحدث بنيامين نتنياهو كثيرا هذه الأيام عن (الصراع الوجودي) الذي تخوضه إسرائيل في غزة، والذي يعني أحد احتمالين: إما بقاء إسرائيل واستمرار وجودها، أو الفناء والعبودية والعودة إلى حياة التيه، لم يعد نتنياهو وعصابته يرون حلا وسطا يعترف بوجود شعبين ودولتين، وإنما يرون صراعهم مع الفلسطينيين صراع وجود، إما نحن وإما هم، ولا مجال للمراوغات التي درج عليها الحمائم، أمثال شيمون بيريز وإسحاق رابين.
وكان الشرفاء من أمتنا ينبهون إلي هذه الحقيقة منذ زمن بعيد، فالصراع مع إسرائيل ليس صراع حدود، وإنما صراع وجود، والخطر ليس مقصورا على فلسطين، وإنما يمتد إلى ما يسمى بـ (أرض إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات)، وإذا كانت فلسطين هي التي تحارب اليوم، فالحرب ستتتقل غدا ـ يقينا ـ إلى الشرق والغرب، حسبما يتجه سهم المطامع الإسرائيلية.
يقول نتنياهو بكل غطرسة: “الصرع ليس على وجود دولة فلسطينية، بل على وجود إسرائيل وإقامة دولة يهودية، وسوف نخوض هذا الصراع بكل قوة، ونضحي بأغلى ما نملك حتى نحقق النصر الذي نريده، ونسحق أعداءنا، والدولة التي يريدونها لن تقوم إلا بعد القضاء على الشعب اليهودي”.
هذه الرؤية الحدية تفسر رفض نتنياهو القاطع للدولة الفلسطينية، ولمبادرة السلام العربية المطروحة منذ عام 2002، وتفسر أيضا حرب الإبادة الجماعية التي يخوضها جيشه في غزة، متجاوزا الأعراف والقوانين الدولية كافة، فلم يعد الهدف هزيمة حماس والمقاومة وتصفية القضية، وإنما تصفية الوجود الفلسطيني، شعبا وكيانا وتاريخا ومستقبلا.
لقد عادت إسرائيل في هذه الحرب إلى ما قبل القانون الدولى الإنساني، وارتكبت من الجرائم ما لا يمكن حصره، وتعمدت قصف التجمعات السكنية لقتل المدنيين، ودمرت المستشفيات والمدارس والجامعات ودور العبادة والمؤسسات الدولية، واستهدفت سيارات الإسعاف وبعثات الصليب الأحمر ورجال الإغاثة، وقطعت الاتصالات وأغلقت الطرق، وأحكمت الحصار لمنع المساعدات ونشر الجوع والفوضى، وفرضت التهجير القسرى عدة مرات على أهل غزة.
وفي مواجهة هذا الجنون الصهيوني جاء الرد الرباني ليغير المعادلة من حيث لايحتسب أحد، فيتحقق الحضور الفلسطيني على مستوى العالم كما لم يتحقق من قبل، وبما لا يستطيع نتنياهو وحلفاؤه دفعه، وتكسب القضية الفلسطينية كل يوم أرضا جديدة، وأنصارا جددا، أقوى وأكثر تأثيرا من أنصارها التقليديين، الذين استسلم بعضهم لليأس، ولاذ آخرون بموقف المتفرج المتخاذل.
هذا الحضور الفلسطيني الكثيف أنبأ عن نفسه في مظاهرات الشعوب الحرة التى خرجت بالملايين تأييدا لأصحاب الحق، ورفضا لحرب الإبادة، ومطالبة بوقفها فورا، وإدانة الحكومات الداعمة لإسرائيل، وعندما ترفرف أعلام فلسطين في شوارع لندن وباريس وكوبنهاجن واستوكهولم ـ على سبيل المثال ـ فتلك آية من آيات الله العظمى في هذا الزمان.
وتكتمل الصورة بانتقال المظاهرات إلى الجامعات والمعاهد العليا، يشارك في فعالياتها طلاب وأساتذة، كأنهم في جامعات غزة والضفة، ما يعني أننا أمام جيل جديد من الشباب، متفهم للحق الفلسطيني، ومستقل في مواقفه وتفكيره عن اللوبيات الصهيونية المتغلغلة، وهذا الجيل لن يعطي إسرائيل تأييدا مجانيا في المستقبل، عندما يتولى إدارة شئون بلاده.
وفي غضون ذلك تصوت الجمعية العامة للأمم المتحدة على قرار يوصي مجلس الأمن بقبول فلسطين دولة كاملة العضوية في المنظمة الدولية، بأغلبية 143 دولة، ولم تعترض سوى تسع دول، وامتنعت 25 دولة عن التصويت، ورغم أن القرار غير ملزم إلا أنه أكد الحضور الفلسطيني الدولي مقابل عزلة إسرائيل، الأمر الذي أصاب مندوبها بلوثة هستيرية، فقد اعتبر القرار جائزة لحماس، واندفع يشتم ويسب العالم بأسره، ويمزق ميثاق الأمم المتحدة أمام الكاميرات.
ثم تأتي مفاجأة أخرى سارة بإعلان إسبانيا والنرويج وأيرلندا اعترافها بدولة فلسطين نهاية الأسبوع الماضي، وتنضم الدول الثلاث إلى السويد وست دول أوروبية كانت قد اعترفت فعلا بدولة فلسطين، بينما أعلنت كل من فرنسا وسلوفانيا ومالطا واستراليا اقترابها من اتخاذ القرار، وهو تطور محمود ومهم لتكوين رأي عام دولي مؤيد لقيام الدولة الفلسطينية.
ولأول مرة في تاريخها وقفت إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية في قفص الاتهام، وتلطخت سمعتها بعبارات قاسية لم تجرؤ أي سلطة في العالم من قبل على أن تجهر بها، خوفا أو طمعا، لكن الحضور الفلسطيني الكبير الذي تحقق بفضل الأداء البطولي للمقاومة والصمود العظيم لشعب غزة وهتافات الشعوب الحرة، جعل عقدة الألسنة تنفك، ولم يعد بمقدور أعتى الدول أن تكتم كلمة الحق، حتى وصل الأمر بالمحكمة إلى أن تصدر يوم الجمعة الماضية أمرا لإسرائيل بوقف هجومها العسكري علي رفح، وفتح المعبر لدخول المساعدات، وهو مادفع إيهود أولمرت رئيس وزراء إسرائيل الأسبق إلى السخرية من نتنياهو قائلا: “كان عليه أن يوقف الهجوم بقرار إسرائيلي بدلا من أن يملى عليه من الخارج”.
وجاءت الطامة الكبرى بإعلان المحكمة الجنائية الدولية عن ترتيبات لإصدار أوامر اعتقال بحق نتنياهو ووزير دفاعه يوآف جالانت بتهمة ارتكاب جرائم حرب، ومعهما إسماعيل هنية ويحيى السنوار ومحمد الضيف قائد كتائب القسام، ورغم أن المدعي العام للمحكمة ساوي بين الضحية والجلاد إلا أن ذلك لن يضر الفلسطينيين كثيرا، فقد اعتادوا على هذا الظلم، لكن تبعات الطامة الكبرى ستكون أشد وطأة على نتنياهو وجالانت، اللذين ستفرض عليهما عزلة دولية، وسيهددان بالاعتقال في أية دولة عضو في المحكمة، وهذا يعني أن هيبة إسرائيل قد سقطت، وصارت تعامل كدولة مارقة مجرمة.










