د. يحيى سنبل يكتب.. الموت علينا حق

كانت جدتي – رحمها الله – تقول – كلما ذكر الموت- : الموت علينا حق . تقولها بكل هدوء وسكينة ، وكنت أعجب من قولها أشد العجب ، فكأن جدتي لا تخشى الموت ، ولا تنزعج من ذكره ، وهي في العقد الثامن من عمرها ، وأنا في ذلك الوقت صبي ، يزعجني كل يوم صوت المنادي في الصباح الباكر ، وهو يشق فضاء قريتنا ، يقول : مات فلان ، أو ماتت فلانة . وتزعجني طقوس الموت ، وكانت في ذلك الوقت رهيبة ، فقد رأيت بنفسي امرأة تلطخ وجهها بالطين حزنا لموت أحد أقاربها ، وهي تبكي وتصرخ ، ومنظر النساء في ملابسهن السود وهن يتبعن الجنائز ، ككتلة من السواد تقذف بالصراخ والعويل ، والعجائز الذين يجلسون أمام القبر يقرءون القرآن بأصوات خشنة وهم ينتظرون الصدقات . كأن جدتي لا تعرف كل هذا ، ولا تنفر منه.
لكنني بمرور الوقت زال من نفسي هذا النفور ، وصرت أغشى مجالس العزاء ، أقوم بالواجب ، وأنصت إلى من يقرأ ، وأستمع إلى من يخطب ، وتعجبني الكهارب ، والذين يضيفون المعزين وهم يحملون الماء البارد والقهوات ، ويمرون بين الصفوف بخطوات رشيقة ثابتة ، وفي بعض العزاءات تنصب الأخونة ، وتوضع عليها أصناف الطعام والشراب ، والناس يأكلون بشهية قوية ، لا يفكرون في الموت ، ولا يعبأون بحزن أهل الميت ، لابد أن جدتي كانت تعرف كل هذا ، ولابد أنها قد رأته وجربته ، لقد كانت جدتي على حق.

شاهد أيضاً

جمال المتولى جمعة يكتب .. مياه النيل بين الموقف الأمريكي المتغير والشعب الأثيوبي

مياه النيل بالنسبة لمصر ليست قضية سياسية عابرة ولا ملفا يمكن تأجيله أو التعامل معه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *