غزة بين عبقرية الصمود الأبدي وصلابة الموقف العربي، ومخططات اللئام تنظر للمستقبل بعيون الأمل والترقب والانتظار.. وشعارها نضال لا محدود واستبسال حتي وعد الله الحق بالنصر المبين ولو بعد حين..
وبينما يتطلع عقلاء العالم لوقف الحروب والنزاعات ويتوق جرحي القلوب الدامية لهدنة دهرية يسودها السلام والوئام، هناك من يغرس الأشواك ويعد العدة بسيناريوهات خبيثة لإشعال التوتر والفتن ،ونير حرب طويلة لا نهاية لها!.
وبينما ينظر العالم للمستقبل ببصيص من الأمل والتفاؤل ويطمح أبناء المعمورة شرقا وغربا لوقف نزيف الموارد الطبيعية والطاقات البشرية،والتوصل لصيغة توافق تنطلق من القواسم المشتركة والنظر بأعين العقل والرشد لكافة القضايا الإنسانية وعلي رأسها قضية أهل فلسطين ومأساة غزة المؤلمة ،يغرد “ترامب” وحيدا برفقة صديق “الحميم” نتينياهو، ويعدان العدة لبدء مرحلة جديدة من الإجرام والإبادة وتنفيذ مخطط التهجير ، وربما تكرار سيناريو غزة في الضفة الغربية وسائر بلدان فلسطين المحتلة..
وكما كان متوقعا فبعد أسابيع قليلة من عودته لمقعد الرئاسة ،ورغم وعوده لإحلال السلام بدأ “ترامب’ في تنفيذ بنود وعد “بلفور” في نسخته الثانية ،وقدم اطروحات غير منطقية لترحيل أبناء غزة وتدشين منتجع “ريڤيرا الشرق الأوسط” علي أطلال أرض العزة، وبقايا جثث ودماء الشهداء والجرحى والمفقودين..
وهدد بفتح أبواب الجحيم إذا لم تفرج حماس عن الأسري ، وعليها أن تختفي من المشهد وكل أذرع المقاومة وكأن شيئا لم يكن!.
وبين عشية وضحاها رصد “ترامب” مليارات الدولارات لتمويل جيش الإحتلال وإعادة تسليحه من جديد ،بل وإمداده بالذخائر والقنابل الضخمة “متطورة المهام” والتي كانت محظورة إبان عصر “جو بادين”..
وهو تطور خطير له إشارات أكثر خطورة ،ورسائل لدول الجوار الصهيوني، ينبغي قراءتها في سياقها الصحيح.
وفجأة أعلن وعلي رؤؤس الأشهاد أن تل أبيب تلقت شحنة من قنابل MK-84 الثقيلة من الولايات المتحدة.
وأعلن الإعلام الإسرائيلي عن وصول أكثر من 76 ألف طن من المعدات العسكرية قبل عدة أيام في نحو 678 رحلة جوية و129 بارجة وسفينة حربية”، واصفاً إياها بأنها: “أكبر عملية شحن جوي وبحري في تاريخ دولة إسرائيل”.
وفي السياق قالت صحيفة “بيلد” الألمانية إن المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط “ستيف ويتكوف” أعلن نية واشنطن تسليم أحد أقوى أنظمة الأسلحة غير النووية إلى إسرائيل المعروفة باسم “أم القنابل”.
وقال: إن البنتاجون سيرسل إلى إسرائيل قنابل ضخمة تزن 11 طنا، تمتلك قدرة واسعة على تدمير المخابئ العميقة تحت الأرض.
تعرف هذه القنابل الجوية التقليدية ذات القوة التفجيرية الهائلة باسم “الانفجار الجوي الضخم المنظم” (MOAB)،
وقد كانت مدرجة على قائمة طلبات إسرائيل منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، لكن جميع الرؤساء الأمريكيين منذ “جورج دبليو بوش” وحتى “جو بايدن” رفضوا تصديرها، بما في ذلك ترامب خلال ولايته الأولى.
ومن فصول المأساة العبثية”الترامبية”، إصراره علي إشعال حرب تجارية أممية فعندما تولى الحكم لأول مرة فى عام 2017، كانت الصين أحد الأهداف الرئيسية له خلال وجود فى البيت الأبيض، وأشعل ما يسمى بالحرب التجارية مع ثانى أكبر اقتصاد فى العالم من خلال فرض تعريفة جمركية “مكبلة”..
وخلال الأيام الأولي لفترة رئاسته الثانية أعاد الكرة ،ليشعل حربا جديدة مع الصين وكندا والمكسيك ،وبدورهم هددوا بفرض رسوم مماثلة علي المنتجات والبضائع الأمريكية،كما لوح بفرض إتاوات ورسوم جمركية علي الإتحاد الأوروبي.
ومن السياسات المتهوره وغير المنضبطة التي تثير العشرات من علامات الاستفهام إعلان “ترامب” إنسحاب الولايات المتحدة من مجلس حقوق الإنسان الدولي التابع للأمم المتحدة وحظر تمويل “الأونروا” وإصدار أمر تنفيذي بفرض عقوبات علي الجنائية الدولية!.
ولفهم الشخصية “الترامبية”، أتصور أنه يجدر بنا تفحص ما يعرف في علوم السياسة بـ “إستراتيجية الرجل المجنون.” وهي نظرية في العلوم السياسية والاقتصاد، تفيد بأنه يمكن لزعيم دولة أن يحقق أهدافها من خلال التصرف بشكل غير متوقع وغير منطقي، بحيث يصبح من الصعب على الآخرين فهم نواياه أو توقع تصرفاته.
ومن مكونات إستراتيجية “الرجل المجنون” :
ـ الغموض: عدم وضوح نوايا أو تصرفات الزعيم أو سياسات دولتة.
ـ التصرف غير المتوقع وبشكل غير منطقي.
ـ التهديد بإستخدام القوة أو التهديد بها لتحقيق أهداف محددة سلفا.
ـ التسرع في اتخاذ القرارات دون حسابات دقيقة.
ـ رفع مستوى الطموحات وأحيانا الشطحات ،أملا في
إبرام صفقات لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية.
ومن تأثيرات إستراتيجية “الرجل المجنون” وفقا لرؤي علماء السياسة ومعطيات الواقع.
ـ إرباك الخصوم، وشل القدرة علي المواجهة واتخاذ رد الفعل المناسب.
ـ تحقيق الأهداف: يمكن أن تساعد في تحقيق الأهداف من خلال إجبار الخصوم على الاستسلام أو التنازل.
ـ فرض الهيمنة وزيادة القوة: فيمكن لهذه الاستراتيجية “المصطنعة ” أحيانا أن تزيد من قوة الزعيم أو الدولة من خلال إظهار قوته وتصرفاته غير المتوقعة.
ومن التداعيات المؤلمة لإستراتيجية “الرجل المجنون”:
ـ عدم الاستقرار،حيث تتسبب في غياب الثقة وعدم اليقين في العلاقات الدولية.
ـ زيادة التوتر والعداء بين الدول.
ـ الغموض وعدم الشفافية في نوايا أو تصرفات الزعيم أو الدولة.
كما يستحضر بعض المحللين نظرية “الرجل المجنون” التي استخدمها الرئيس الأمريكي الأسبق “ريتشارد نيكسون” إبان فترة ولايته ( من 20 يناير 1969 وحتي 9 أغسطس 1974) أثناء تعاملاته مع الاتحاد السوفييتي، والتي تقوم على فكرة جعل الدول الأخرى تعتقد أنك غير متوقع وقادر على فعل أي شيء، لإبقائها تحت السيطرة.
ونظرية “المجنون” هي ليست نظرية بالمعنى الفلسفي الجاد،لكنها ظهرت في الأدبيات الأمريكية التي نشرت عن حرب فيتنام، ومع ذلك فإنها برهنت في الصعيد التطبيقي بأنها من صور غياب الحكمة وسوء التقدير،وصاحب النظرية هو وزير الخارجية الأمريكي “هنري كسنجر”، والذي ارتبط اسمه بالمفاوضات السرية التي جرت في باريس بين الوفد الأمريكي والفيتنامي .
ووجه الغباء في هذه “النظرية” كما هو واضح، أن كسنجر كان يفترض أن نظيره الفيتنامي من السذاجة بحيث أنه لم يكن يدرك أن “النظرية” متفق عليها سلفاً بين الرئيس الأمريكي ومساعده على سبيل لعبة توزيع الأدوار!.
وكأن التاريخ يعيد نفسه ففي مقابلة مع “وول ستريت جورنال”، في أكتوبر الماضي2024، عبّر ترامب عن هذا النهج بوضوح عندما سُئل عن استخدام القوة العسكرية لحماية تايوان من الصين، قال عن الرئيس الصيني “شي جين بينج”: “لن أحتاج إلى ذلك، لأنه يحترمني ويعرف أنني مجنون”!.
وسواء أكان الجنون أصيلا أو مصطنعا ،فمع هذه “البدايات الدموية”، والمقدمات التي تكشف حقيقه النوايا ،في اعتقادي أن إصرار “ترامب” علي تقمص هذه الاستراتيجية الخبيثة ،واستمراء الضغط علي مختلف دول العالم سياسيا واقتصاديا ، لن يسهم مع مرور الوقت
إلا في تعقيد الأمور ولن يحقق طموحاته اللامحدودة في إعادة تشكيل خريطة العالم بمشروعه الاستراتيجي الضخم ، الذي يرفع شعار أمريكا أولا، وفقا لنظرية القطب الأوحد،وليذهب الجميع للجحيم!.
واعتقد أنه ومع ثورة الكثيرين ضد توجهات إدارة “ترامب” في مشارق الأرض ومغاربها فقد تجد الولايات المتحدة نفسها في حالة من الجمود السياسي والعزلة، ربما تدفعها لتصحيح مواقفها والتخلي عن صلفها وتعنتها ،وإدراك وهم نظرية القطب الأوحد قبل فوات الأوان!.
وكما هو الفارق بين السماء والأرض.. من يدعو لرفع الظلم عن أهل غزة وللتهدئة وإحلال السلام العادل المنصف ،ومن يحشد قواته ويسخر مقدراته لإضرام حرب جديدة، بعد حرب الإبادة اللاإنسانية لكل مقدرات غزة ،ويسعي إلي محو آثارها وقبرها في طي النسيان!.
ومع بودار تنفيذ المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار وعودة الأعمار تبقي حقيقة أن الدعم المصري اللامحدود لأهل غزة ،والتوافق العربي الرافض التهجير وتصفية القضية الفلسطينية ،هما حصن الأمان المنيع أمام أطروحات “ترامب” وصديقه الحميم “نتينياهو” والذي وصفه بأنه الصديق الأعظم في تاريخ البيت الأبيض، وأمام مخططات إعادة تشكيل خارطة الشرق والأوسط ..وإنا لقادرون بإذن الله وعونه.










