رغم تعدد الأنشطة التجارية وأهميتها في حياة الإنسان إلا أنه بالتوازي هناك تجارة أخرى بدأت تلقائية خجولة منذ عرف الإنسان الحزن والحاجة للمواساة ..إنها الدموع التي تنساب من العيون مؤثرة بالتأكيد على القلب والفؤاد ..يحسبها المرء تعبير عن مشاعر ومشاركة ولكنها للأسف تسلل إليها متاجرون يستخدمونها بمنتهى الاستغلال..
هذا المقال يحاول أن يكشف تلك الممارسات لنستطيع التفرقة بين الماس والزجاج!!
منذ بدأ الإنسان القديم رحلة «المقايضة» بالأشياء التى يملكها والأخرى التى يحتاجها.. تصدرت التجارة النشاط الاقتصادى للبلدان والمجتمعات.. وعرف كل شعب قوافل التجارة من الجمال والدواب إلى السفن والعربات.. أسفرت عن تقاليد متنوعة.. بعضها يؤكد ان تسعة أعشار الرزق فى التجارة.. والآخرون يشيدون إلى النظام الإدارى للنشاط التجارى سواء بأجهزة يكونها كبار التجار.. أو أخرى كالمكوس والضرائب ورسوم المرور والحماية تتصدرها الدولة وينظمها الولاه وسط ذلك منظومة إسكان ورعاية وتعاليم وشراكة ناصعة البياض فى الثورات القديمة ضد الغزو والاستعمار وتأثرت شجرة المعاملات بذلك.. بألقاب للحريرى والقماش والصادق والنزيه… الخ.
ناهيك عن تجار بعينهم.. ارتبطت بهم المهنة والتخصص.. فى واقع الحال وأحيانا قدمها لنا مبدعون عظام.. والأمثلة كثيرة.. من أهمها تاجر البندقية رائعة شكسبير عن شيلوك التاجر الذى أراد استخلاص حقه.. رطل لحم من جسد الزبون.. وفى أدبنا المصرى المعاصر.. لدينا النموذج فى عطار البضاعة المتفردة فى رائعة يوسف السباعى أرض النفاق قراطيس جاهزة بمسحوق الخلق الحميد من الذى يرى المؤلف ان سوقها بائرة لدى الناس.
لكن هذه التسميات المضافة تظل مصباحا مميزا.. للحائرين من الناس الذين يبحثون عن اسم مضاف.. للعديد من السلع والسلوكيات والتصرفات البشرية ويلفتون أنظار المتعجلين إلى فوائد التركيز أمام تسمية بعينها.. قد تفيد الحائرين والواقفين.. أتحدث عما جال بالخاطر فى تجارة يمارسها الكثيرون.. ليس شرطا وفقا لمعايير الوزن والتكلفة والتخزين.. وأعنى بها تجارة الدموع.. التى تبدأ متأخرة عادة بين انسياب دموع القلب والعينين.. هادرة قوية.. على خسارة فادحة.. غالبا رحيل حبيب.. أو فشل فى امتحان.. أو اكتشاف السراب فى بطن الحلم.. ولا علاقة له بدموع الفرح.. التى تنساب غالبا فى أعقاب الأحداث السعيدة.. لأن هذه الدموع لا تستمر طويلا من ناحية.. وصاحبها لا يفكر فى الاتجار بها.. بل هناك الكثير مما يخشى عليها من الحسد.. فيبادر بكتمانها ويمسح عينيه بكفيه.. حتى لا يلاحظ أحدا.. هذا الموقف الضعيف.. وارجح ان السبب النفسى وراء هذا السلوك.. يكمن فى احساس معقد يبدأ بالصدمة.. ثم البحث عن طريق الحماية من عيون الآخرين الحاسدة وأخيراً الاعتقاد بأن الفرحة إذا ذهبت بدموعها.. لن تعود.
من هنا تتأرجح تجارة الدموع.. بين اخفاء.. وتسليط أضواء.. وبينهما مساحة لنشاط مصطنع تقابله فى أماكن الكوارث والآلام (مثلا المستشفيات والمقابر وحوادث الفقد.. والغياب الطويل اليه…) ذلك ان هناك محترفون فى استدرار الدموع واستخدامها للتأثير على صاحب المأساة (ابن المتوفى مثلا.. أو الشخص المريض.. وباختصار صاحب الحاجة).. بالإضافة إلى من ينتظرون فى الموقع فى جاهزيته لمسرحية البكاء.. تأتى عصابات المحترفين بصحبة أوراق جيدة التزوير.. تستدر الدموع من خزانة الفؤاد لتحصل على نقود وتبرعات.. توهم المانح بالحاجة الماسة لاخراجهم من مرض أو عجز عن سفر.. الخ.. ولا سبيل لمقاومة التجارة غير المشروعة فى الدموع.. إلا بالتريث واستشارة النفس والقلب.. ونذكركم فى التمثيليات التى قدمت الانسان الطيب.. الذى علمته الفطرة الطيبة اغاثة الملهوفين.. دون غش أو خداع.. فقط احذروا دموع التماسيح.. ولا تتاجروا بدموع الاعتذار!!










