حب الشهرة فيروس داخل النفس البشرية يحمل الخطر المغلف بالمكسب القريب ..الكل يسعى لكي يحقق الشهرة في تخصصه وحياته وتميز شخصيته وهذا حق مشروع يواكب رحلة تحقيق الحلم ولكن علينا أن نحذر الوجه الآخر الملىء بالخطر الجسيم سواء فيما يتعلق بالثمن الذي يدفعه الإنسان لكي يحقق الشهرة أو ما يلحقه بعدها من سلبيات تبدأ من الوحدة إلى تأنيب الضمير..
يتعايش الإنسان مع العصر الثالث بعد الحصاد.. برغبات وسلوكيات تتراوح بين السعى لاستكمال خطط وتحقيق أمنيات.. وربما تصفية حسابات مع أشخاص اقتحموا على المرء طريقه.. انتزعوا منه شيئا غاليا مرتفع القيمة.. عاملوه من أعلى.. ثم تركوه فى منتصف الطريق يترنح من الصدمة.. يسبح فى صحراء العالم.. باحثا عن الخلاص أو يتجاهل الحقائق الفسيولوجية ووهن الجسد وزهاجير العقل.. يتناسى متطلبات الصحة وتراجع القدرة.. يتحايل على الضعف والعجز بأن يسلط أمواله وقدراته على محيط عمله القديم.. يتمسك بالشهرة والنجومية.. ينسج كالعنكبوت بيته الخاص الواهن.. ويتجاهل هواء الشهرة ونسيمها العليل متجها بقوة وثبات تجاه وجوه جديدة ناشئة مبدعة فى الغناء والطرب والتمثيل والأبداعات الأخرى.. رغم إنه لو فتح عينيه وأذنيه للصخب من حوله لاكتشف حقيقة مهمة تؤكد له.. راح زمانك.. عليك المبادرة بالاعتزال.
القصة معروفة ومكررة فى الوسط الفنى «المسرح – السينما – الدراما.. ملكات الجمال.. إلخ» ويعرفها الصغير قبل الكبير.. البعض يتجاهل حقائق الحياة ويرهق نفسه وينفق أمواله ومدخراته.. كى يظل فى شخصية البطل أو النجمة الأولى مدى الحياة.. ينسون أن الشهرة دائرة يحيط بها النيران أو لهيب مضيئ.. يجتذب الفراشات ليصدر بها شهادة وفاة محترقة بعد لحظات.. ونرى على سبيل المثال النجمة الأولى تستخدم خبراتها وعلاقاتها وأموالها لتنتج فيلما أو مسلسلا أو قصة سهرة تكون وحدها السابحة تحت الأضواء.. تنصت لصوت العقل أو شباك التذاكر.. وبالطبع سنة الحياة.. وقد لا تتعلم الدرس.. لتكرر نفس الخطأ لعدة مرات إلى أن تفقد كل رصيد وتنزوى مجبرة على الاعتزال.
تحدث هذه القصة الواقعية جدا من حولنا ولا تحقق أهدافها رغم الإسراف فى الإنفاق.. والغريب ان هؤلاء النجوم الذين تجاوزهم الزمن ومتغيرات الحياة يتجاهلون رسالة التحذير التى تصلهم فى هذا الاتجاه.. ونعنى بها تقديم نفس القصة فى سياق الإحلال والتجديد فى عمل درامى رومانسى قد تنساب معه دموع المتفرجين وآهات الرومانسيين والتعاطف المؤقت غالبا مع هؤلاء الذين كانوا على القمة سواء لمرة واحدة أو لعدة سنوات.. ويسدل الستار فى النهاية على اللعبة لأن هؤلاء النجوم لم يدركوا اللحظة المناسبة للاعتزال والتى من علاماتها مقاومة النفس لبريق الشهرة وجفونها بالانسحاب إلى مجال آخر ونشاط غريب الصلة محتفظين بمكانتهم التى أكدوا صلابتها على مدى السنين والأيام.
ومع الذين وصلوا لمرحلة تثير الشفقة وتراجعت أسماؤهم على مقدمة الأفلام والمسلسلات رغم الماكياج المضوى «ضيف شرف مثلا.. أو القدير.. أو النجم الساطع.. الظهور الخاص.. إلخ» هناك أيضاً من فهم اللعبة وأدركوا انهم لا يمكنهم الاستمرار فى دور العاشق أو الحبيبة أو السوبرمان أو معبودة الجماهير.. وجدوا ضالتهم فى الورق «السيناريو والقصة والحوار» غيروا اتجاههم إلى الأدوار الانسانية المعبرة فى العلاقات الأسرية وسلوكيات الآباء وجحود الأبناء وقدموا شخصية الأب المصدوم فى أبنائه.. أو الذى قسا عليه الزمن وهزمته الأزمات.. سبح فى بحر بداخله قروش وحيتان.. ولكنه ينتصر فى اللحظة الأخيرة ليحظى بتصفيق المشاهدين.. رصيد متجدد له عند المنتجين تمسكوا بحسن الاختيار المناسب.. تخلوا عن ماكياج ومساحيق تخفى حقيقة العمر.. ولم يفتعلوا معارك ومشاجرات مع الكاميرا.. وسمحوا لها بإبراز التجاعيد وتأثيرات العمر على الوجه.. فأصبحوا أمهات وآباء على الشاشة بجدارة وحسن أداء.
وعندما تتحول الشهرة إلى نزوة.. ورغبة للوقوف أمام عجلة الزمن التى ندرك جميعا ان هذه المحاولة تعنى انك تحرث مياه البحر.. وبالتالى تتخلى عن فرصة ذهبية للعيش فى سلام وأمان تلتقى بمن لا يزال من حولك.. ولم يرحلوا بعد.. تستعيد معهم الصحبة الطيبة.. وترى ما لم تحققه أملا تسلمه للأحفاد.. وعندما تكون وحيدا.. لديك ذكرياتك بسلوى وثروة.. المهم ألا تسقط فى الدائرة الملتهبة.. تخدعك الأضواء وتحركك النيران كالفراشات التى لا تستوعب الدرس وتتجاهل قيمة الحياة.. تمسك دائما بالاختيار المناسب.. تحقق النجاح.
صالح إبراهيم










