لم تكن إسرائيل دولة طبيعية منذ نشأتها، وإنما هي دولة وظيفية على نحو ما بين مفكرنا الكبيرالدكتور عبد الوهاب المسيري، رحمه الله، فقد زرعها الغرب في قلب العالم العربي والإسلامي لتؤدي وظائف يحتاجها، وتقوم بتحقيق أهدافه التي فشلت حملاته الصليبية في تحقيقها، هذه الحقيقة عبر عنها علماء ومفكرون وسياسيون وعسكريون غربيون كثيرون، فمن دون بريطانيا ما كان لليهود أن يقيموا دولة إسرائيل، ومن دون النفوذ الأمريكي الطاغي في العديد من الدول العربية ما كان لإسرائيل أن تستمر وتتغول وتتمدد، وتتباهى بقدرتها على تغيير الشرق الأوسط.
ومن دون الدعم الأمريكي غير المحدود (ماديا ومعنويا) ما كان لإسرائيل أن ترفع سقف مطالبها في مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، وهو اتفاق أعدته إسرائيل ويتبناه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ويدافع عنه بحماس بالغ، وقد بات واضحا لكل ذي عينين أن أمريكا هي التي تتفاوض وتتعهد بدلا من إسرائيل، وهي التي تهدد وتتوعد، بل إن ترامب هو الذي يدير المفاوضات علنا عبر تصريحاته الصحفية.
لقد تدخل الغرب كله بقيادة أمريكا لإنقاذ إسرائيل منذ بداية عدوانها على غزة، ولم يكتفوا بتقديم العون المالي والعسكري والإعلامي، وإنما دخلوا الحرب جهارا نهارا إلى جانب جيش الاحتلال، في الوقت الذي فشلت فيه 57 دولة عربية وإسلامية في إدخال المساعدات الإنسانية لإخوانهم في غزة، أو توفير الحماية للمدنيين الذين يقصفهم جيش الاحتلال في الخيام وعلى الشواطئ وفي المطاعم وعند مراكز توزيع المساعدات الأمريكية المشبوهة، أو وهم يهرلون للنزوح شمالا وجنوبا استجابة لأوامر الإخلاء القسري التي يبثها جيش الاحتلال يوميا.
وأمام هذا التوحش الصهيوني الأمريكي تقف المقاومة الفلسطينية وحيدة منفردة، تحارب بلا غطاء، وبلا مدد من عمقها الفلسطيني والعربي والإسلامي، في لحظة تاريخية شديدة البؤس والمهانة، فقد خرج هذا العمق من المعادلة، ولم يعد يشكل ثقلا في نظر العدو، بل تحول بعض منه إلى خنجر في ظهر المقاومة، وأحيانا في صدرها، خصوصا في مرحلة المخاض التي تسبق الاتفاق المرتقب، ويحاول كل طرف فيها حشد قدراته الإستراتيجية وتعظيم إنجازاته، فيركز جيش الاحتلال على استخدام المدنيين الفلسطينيين ورقة ضغط على المقاومة، بينما تكثف المقاومة من ضرباتها وكمائنها لتكبد العدو أكبر قدر من الخسائر المادية والبشرية، كأنها تحارب معركتها الأخيرة.
وبصرف النظر عن مآلات المفاوضات وما يمكن أن تسفر عنه، فإن المقاومة تسعي جاهدة لتحسين شروط الاتفاق رغم الحصار الذي يحيط بها من كل جانب، ورغم الضغوط الكبيرة التي تتعرض لها، وهي ضغوط قد تدفعها دفعا إلى قبول ما لم تكن تقبله من قبل بسبب حاجتها إلى التقاط الأنفاس، وحاجتها أيضا إلى تخفيف معاناة المدنيين الذين تحملوا مالم يتحمله بشر، وصمدوا على مدى 21 شهرا في أطول وأشرس حرب خاضتها إسرائيل منذ نشأتها.
وفي هذا المسعى لا يمكن أن تلام المقاومة، وإنما يلام من تخاذلوا عن دعمها ونصرتها، ومن ضغطوا عليها وتركوها في الميدان تذروها الرياح العاتية، بلا سند ولا مدد، ومن تواطأوا مع العدو في أكثر اللحظات حرجا، لقد أدت المقاومة رسالتها قدر طاقتها، وأعذرت إلى الله سبحانه وتعالى، وإلى شعبها وأمتها، قاومت ببسالة وضحت بكل غال وثمين، وحرمت العدو من النصر الذي كان يتصوره سهلا ميسورا، وكشفته أمام العالم، واضطرته إلى استدعاء حلفائه من القوى العظمى لينجزوا له النصر الذي لم ينجزه، وهذا هو أكبر مكسب يمكن أن تسجله المقاومة لشعبها وأمتها.
إن أعظم انتصاراتنا تحقق في عام 1973عندما كانت أمتنا على قلب رجل واحد، وكانت كلمتها واحدة، لكنها اليوم أمة مفككة، كلمتها مشتتة ومواقفها متضاربة متناقضة، وهذه محنة تاريخية فرضت عليها حالة من الإحباط واليأس من ملاقاة العدو، ورغم ذلك خرجت المقاومة كالمارد العملاق، حاربت وصمدت وانتصرت، وأظهرت ضعف جيش الاحتلال وإمكانية هزيمته، وليس من قبيل المبالغة القول بأن المقاومة نجحت في تغيير نظرة العالم تجاه قضية شعبها الفلسطيني، فخرجت الشعوب الحرة تعبر عن رفضها للاحتلال الاستيطاني الإسرائيلي وتأييدها لحرية فلسطين واستقلالها، خاصة في الدول التي تنحاز حكوماتها للاحتلال انحيازا فاجرا.
ومنذ انطلاق طوفان الأقصى في أكتوبر 2023 وصلت رسالة غزة إلى العالم أجمع، وأثرت شجاعة غزة في شباب الجامعات والمعاهد العليا الذي لم يكن يسمع غير السردية الإسرائيلية والصوت الصهيوني، ومن عجائب قدرة الله عز وجل أن يلقي الطوفان بظلاله على الولايات المتحدة أكثر دول العالم دعما لإسرائيل، ويصل الأمر إلى أن تتحول غزة إلى أبرز الفاعلين في الانتخابات التي تجرى في نيويورك، أكبر وأهم مدينة في أمريكا وفي العالم أجمع، وحيث يتركز أكبر تجمع يهودي في العالم خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة.
في هذه الانتخابات يقترب شاب مسلم من أصول هندية يدعى زهران مامداني (35 عاما) من الفوز بمنصب عمدة نيويورك عن الحزب الديمقراطي، رغم ما ينفقه اللوبي الصهيوني لعرقلة مسيرته، ورغم اتهام ترامب له بأنه شيوعي غبي، والتهديد علنا باعتقاله وسحب الجنسية منه وطرده خارج البلاد، وقد أبدى مامداني شجاعة نادرة في مواجهة اتهامات ترامب وتهديداته، ورد عليه متهما إياه بالعنصرية والفاشية، ورفع صوته عاليا بإدانة ما يحدث من إبادة جماعية للشعب الفلسطيني، وهدد باعتقال نتنياهو وتسليمه للمحكمة الجنائية الدولية كمجرم حرب إذا ما جاء إلى نيويورك وهو عمدة لها، وبهذه الشجاعة النادرة استطاع أن يتفوق على منافسيه الذين يقدمون فروض الولاء والطاعة لإسرائيل.








