يتعرض أغلبنا للعديد من هذه المواقف الشائكة، المركبة والمعقدة، مواقف مختلطة يختتم بعضها بإخفاق، بخذلان مرير صعب؛ يأتينا هذا الشعور ويخرج علينا من بين ركام أحداث مربكة تمر بنا حين تتقلب علينا ظروف الحياة، فتجعلنا في مواجهة أمور تتناوب علينا بتفاصيلها الدقيقة، تترك علامات استفهام كبيرة تسكننا داخل زوايا أحزانها الضيقة، تقيمنا داخل منطقتها الرمادية ذات الظلال الداكنة تضعنا في قائمة أصحاب الوجوه العابسة، تعكس صورنا باهتة، تشوش رؤانا لحقيقة أمور تزداد صعوبتها أمامنا؛ فالمشكلات باتت تلاحقنا، والمحاولات ما زالت تستمت رغبة في خداعنا، لكي تتجدد وتتكرر.
كأن الله تعالى بحكمته يريد أن يخبرنا بأننا له -وحده- وبأننا في يوم قريب سوف نعود فيه إليه فرادى كما جئنا، فلا يجب أن تأخذنا منه دنيانا الزائلة بزخرفها فما هي إلا دنيا مكونها الأساسي من -لعب ولهو- لا يجب أن نحزن على ما فيها ومن فيها، فرفضنا يعني إيمانًا قليلًا مشوبًا باعتراض ضمني لا جدوى منه ولا فائدة؛ ربما أصابنا الله بهذا الأمر أو ذاك لأنه يريد به أن يقربنا إليه بطاعات أكبر، بإيمان أعظم وتقوى؛ رغبة منه سبحانه في الحفاظ على فطرتنا سليمة كما جبلنا عليها، بهدف حمايتنا من شرٍ آتٍ يتنكر داخل ثوب خير ونحن نتناسى أو نجهل أننا نحيا في زمن فتن تتوالى بلا خجل.
تضيق دوائر معارفنا شيئًا فشيئًا، تتقلص وكأنها عازمة على التلاشي، يقل اتساعها وتتجمد داخل مساحات اعتدناها من قبل شاسعة، يأتي سؤالنا الذي نوجهه لأنفسنا: لِمَ نتعرض لذلك؟ وما سبيلنا لمعالجة أمر كهذا؟ يدور بنا سؤالنا وندور معه في حلقة من تخبط مفرغة وعملاقة، ثم يلهمنا الله الإجابة منه، حين يذكرنا بأننا لم نخلق لمثل هذا، لم نُبعث إلا من أجل عبادته وحده، فلا يجب أن نتوقف أمام علاقات تضج بالفوضى، تقام باللغو الذي لا فائدة منه، علاقات لا نفع فيها فهي تقاتل عازمة على المباعدة بيننا وبين طريق الله المستقيم، طريق دعانا لاتباعه، حثنا على السير فيه، في معيته وحده دون غيره، أمرنا أن نعبده كما يحب، وكما يرضى سبحانه وتعالى.
كلما تأملنا ذلك كلما هانت علينا الدنيا ومن فيها، اتضح لنا مقصود مراد الله، ومخزون محبته الأعم والأشمل، فبقربه سنجد أماننا، سنتعرف على ذواتنا وعلى حقيقة أنفسنا، تطمئن قلوبنا التي لم تزل في حاجة للاطمئنان والراحة، إنه لشرف عظيم أن نبقى بصحبة رب أرادنا له وحده وفضلنا من دون عباده؛ يقربنا منه لكي يوفر لنا ضمانه وحفظه الدائم، وعدنا برعايته ما دمنا في معيته نعلم أننا له وإليه.










