حدثنا المفكر الكبير الدكتور عبد الوهاب المسيري ـ رحمه الله ـ عن (اليهودي الجديد) أو (اليهودي الوظيفي)، الذي يعمل لصالح إسرائيل ويمثلها خير تمثيل، والذي قد لا يكون بالضرورة يهوديا، بل ربما يكون مسلما يأتي في هيئة رجل أعمال أنيق يصلي معنا العشاء، ويقوم بالوظيفة التي كان يقوم بها قبل ذلك الجنرال الإسرائيلي أو التاجر الصهيوني، لكن لم يحدثنا الدكتور المسيري عن (اليهودي الوظيفي) الذي يكون في هيئة إمام مسجد أو إعلامي بارز أو أكاديمي كبير، ربما لتصوره ـ وتصورنا أيضا ـ أن هذه الفئات هي الأكثر تحصينا بالوعي الثقافي والديني لتكون عصية على التوظيف، وللأسف ها هي الأيام تثبت أن هذا التصور غير حقيقي، فلم يعد هناك معصوم من الزلل إلا من رحم ربي.
وبقدر ما كشفت الحرب في غزة عن مواقف شجاعة وبطولات تاريخية فقد كشفت أيضا عن خيانات وطعنات غادرة جاءت ممن يجب أن يكونوا سندا وعونا للمقاومين، وأسوأ هذه الطعنات جأءت ممن يسمون أنفسهم (أئمة مساجد أوروبا)، الذين ذهبوا إلى إسرائيل دون اعتبار لشرف الجبة والعمامة، والتقوا برئيسها ووزرائها متجاهلين حرب الإبادة والتطهير العرقي التي تشنها إسرائيل على الشعب الفلسطينى.
لا أحد يعرف من الذي أعد هذه التشكيلة من الأئمة المزورين، ومن الذي عينهم في مساجدهم، ومن يدفع لهم رواتبهم، لكن البعرة تدل على البعير، وسلوك أئمة السوء فضحهم وكشف مستورهم، فلقد رأينا كبيرهم (يدعى حسن شلغومي) يقبل يد وزير إسرائيلي أمام الكاميرات في ذل وانكسار لا يليقان بإمام المسجد، لذلك وصفهم بيان الأزهر الشريف بأنهم “فئة ضالة مضلة لاتمثل الإسلام ولا المسلمين، ولا الرسالة التي يحملها علماء الدين والأئمة في التضامن مع المظلومين”، وحذر البيان من الانخداع بهؤلاء المنافقين الذين يتاجرون باسم الدين ويأكلون على موائد الخزي والعار، مؤكدا أنه “لا حوار مع محتل ولا تطبيع مع مغتصب”.
يقينا هؤلاء ليسوا أئمة، وإنما مجموعة من المرتزقة المأجورين، صنعتهم الاستخبارات الصهيونية، وادعت أبواقها أنهم شخصيات إسلامية بارزة من فرنسا وبريطانيا وبلجيكا وهولندا وإيطاليا، لكن المجلس الأوروبي للأئمة في باريس تبرأ منهم، واستنكر “زيارتهم المشبوهة التي لا تمثل موقف المسلمين في أوروبا”.
لقد لعبت إسرائيل بإعلاميين وأكاديميين وسياسيين وأدباء وفنانين، وجندت فرقا منهم لشق الصف العربي والإسلامي، واستخدمتهم أدوات في لعبة (تبييض الوجه وغسيل السمعة)، بينما حملات الإدانة العالمية الشعبية تحاصر دولة الاحتلال، وعزاؤنا أن هؤلاء الذين يؤدون لإسرائيل الوظائف نفسها التي يؤديها الصهاينة صاروا مدانين ومنبوذين من الضمير العربي والإسلامي.
إن خيانة أئمة مساجد أوروبا للقيم الإسلامية والإنسانية ليست إلا فرعا عفنا من خيانة أوروبا المعروفة للقضية الفلسطينية قديما وحديثا، والتي ظهرت بأوضح مايكون خلال الأسبوع الماضي عندما اجتمعت دول الاتحاد الأوروبي لاتخاذ القرارات التي هددت بها ضد إسرائيل، وهي عشر قرارات على رأسها تعليق اتفاقية الشراكة والتجارة التفضيلية، لكنها فشلت في إقرار أي من هذه القرارات العشر، ووصفت منظمة العفو الدولية ومنظمات حقوقية عديدة هذا الفشل بأنه “خيانة قاسية وغير قانونية للقيم والمبادئ الأوروبية وحقوق الإنسان وللقضية الفلسطينية، وتواطؤ مخز مع جرائم الإبادة التي ترتكبها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني”.
وبهذا الفشل تأكد أن تصريحات المسئولين الأوروبيين بشأن القرارات العقابية على إسرائيل لم تكن إلا مناورة لإرضاء شعوبها الغاضبة من حرب الإبادة، خاصة الشباب، ولم تكن معبرة عن رغبات حقيقية لردع إسرائيل وإيقاف العدوان، وبينما اتجهت دول منفردة ـ مثل سلوفينيا ـ إلى منع استقبال الوزيرين الإسرائيليين بتسلئيل سيموتريتش وإيتمار بن غفير على أراضيها استمرت حكومات أوروبية أخرى في إرسال شحنات الأسلحة لإسرائيل.
ولسوف يستمر المكر الغربي بأهلنا في غزة والضفة الغربية، وبنا جميعا، لا يستثني أحدا، سوف يدهمنا فرادى ونحن نقف متفرجين نتابع فصوله وألاعيبه، وما يحدث في سوريا خير شاهد، وقد نشرت منظمة العفو الدولية مؤخرا تقريرا أكدت فيه أن (منظمة غزة الإنسانية) التي أنشأتها أمريكا وإسرائيل لتوزيع المساعدات الإنسانية على أهل غزة ليست إلا أداة إضافية في إبادة الفلسطينيين، وأنها سمحت لإسرائيل باكتشاف طرق جديدة لتقويض حياة الفلسطينيين في غزة وسحق كرامتهم، واستخدام تجويع المدنيين سلاحا في الحرب، وسيزداد الأمر سوءا عندما تبدأ إسرائيل في تنفيذ خطة (المدينة الإنسانية) في جنوب قطاع غزة لتكون معتقلا نازيا كبيرا للفلسطينيين باسم الإنسانية، في أبشع صورة للخداع الدولي.
ونشرت شبكة (بي بي سي) البريطانية مقابلة مع متعاقد أمني سابق في مواقع توزيع المساعدات التابعة لمنظمة غزة الإنسانية تحدث فيها عن مشاهداته لزملاء له وهم يطلقون النار مرات عدة بالرشاشات على فلسطينيين جوعى، رجالا ونساء وأطفالا لم يشكلوا تهديدا، ثم يضحكون، دون أن يتعرضوا لأي مساءلة.
وأمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف عرضت المقررة الخاصة للأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيز تقريرا بعنوان (من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة) كشفت فيه أسماء شركات تصنيع الأسلحة والتكنولوجيا والمعدات الثقيلة والبنوك وصناديق الاستثمارات الأمريكية والأوروبية التي تنتفع من وراء إبادة غزة، واتهمتها بالتواطؤ، وطالبت بفرض حظر على تصدير السلاح لإسرائيل وقطع العلاقات التجارية والمالية معها، كما دعت المحكمة الجنائية الدولية إلى التصدي لتلك الشركات ومديريها التنفيذيين وللمسئولين في الحكومتين الأمريكية والإسرائيلية، وجاء الرد الأمريكي سريعا بفرض عقوبات على ألبانيز لأنها تجرأت ولمست عصبا حساسا لديهم.










