لم تعد قضية الصناعة مجرد بند اقتصادي في موازنة الدولة بل صارت مرآة لسيادتها وعنوانا لاستقلال قرارها وسلاحا في معركة لم تعد خافية: معركة الهيمنة مقابل الاكتفاء. وفي زمن تهاوت فيه سلاسل التوريد تحت وطأة الحروب والأوبئة بدأت الدول تُدرك أن من لا يصنع غذاءه وسلاحه ودواءه يُستعبد ولو كان يملك كل المال.
في مصر تعود الصناعة الوطنية اليوم إلى الواجهة بقوة لا من باب الترف بل كضرورة وجودية في مواجهة عالم يُعيد هندسة نفسه وتكتلات كبرى تتشكل شرقا وغربا وتحولات اقتصادية تُعيدنا إلى سؤال مركزي: من يصنع؟ ومن يستهلك؟ ومن يملك القرار؟
لقد أدركت مصر بخبرة التاريخ ومرارة التجربة أن الرهان على الاستيراد الآمن وهم كبير. فالعالم الذي كنا نشتري منه بالأمس يُغلق أبوابه اليوم ويُلوّح لنا بالفوائض القديمة بأسعار جديدة وشروط سياسية غير قابلة للهضم.
والأدهى أن واشنطن التي تُروّج لاقتصاد السوق المفتوح كانت أول من انقلب عليه. فحين ضربتها أزمة كورونا ثم حرب أوكرانيا ، سارعت إلى فرض قيود التصدير وتوجيه صناعاتها الاستراتيجية نحو الداخل وبدأت حربا شعواء على الصين تحت شعار إعادة توطين الإنتاج . فإذا بأمريكا تُغلق الباب الذي طالما طالبت الآخرين بفتحه ، وتعود إلى عقلية من يصنع يملك.
وفي هذا السياق تتحرك مصر على أكثر من جبهة: إعادة تشغيل المصانع المتعثرة ، إطلاق مجمعات صناعية في المدن الجديدة تحفيز سلاسل الإنتاج المحلي توطين صناعات استراتيجية وبناء شراكات لا تُرهن القرار الوطني.
لم تعد القضية هي تشغيل العمالة بل امتلاك أدوات الإنتاج وكسر التبعية المهينة التي جعلتنا ننتظر قطع غيار أو دواء أو سلعة من مستودعات دولية تُديرها مصالح لا تعرف إلا منطق السيطرة.
ما يجري الآن هو تصحيح عميق لاتجاه البوصلة. مصر لا تبحث عن صناعة لأجل السوق فقط بل عن اقتصاد إنتاجي حقيقي يُنهي عصر الاستيراد للأكل والقروض للعيش. والمهم في هذا التحول أنه يتجاوز الشعارات ، نحو خطوات ملموسة: تصنيع مكوّنات الطاقة السيارات الكهربائية الصناعات الدوائية، الصناعات الدفاعية، والصناعات الزراعية المرتبطة بالأمن الغذائي.
لكن السؤال الكبير: هل الطريق ممهد؟
الإجابة المؤكدة: لا. لأن واشنطن ـ ومعها مؤسساتها الناعمة مثل صندوق النقد والبنك الدولي ـ لا تريد للصناعات الوطنية في العالم الثالث أن تنجح. فهي تعلم أن الصناعة تعني الاستقلال والاستقلال يُهدد الأسواق التي تُدار من غرفها المغلقة.
لذلك كانت دائما تشترط في روشتاتها الاقتصادية: تخفيف الدعم على الطاقة تقليل الإنفاق على القطاع العام فتح الاستيراد وتهميش القطاع الصناعي لصالح التجارة والخدمات… أي جعلنا مجرد أسواق استهلاك لا مصانع إنتاج.
وهنا تبرز أهمية أن مصر لم تعد تتبع تلك الوصفات العمياء. بل صارت تنتقي ما يناسبها ، وترفض ما يهدم مشروعها الوطني. وصار القرار السياسي أكثر وعيا بأن التنمية لا تُقاس بـالتمويل بل بـ القدرة على البناء الذاتي ولو تطلب الأمر وقتًا ومشقة.
إن الرهان على الصناعة هو رهان على السيادة . ومصر التي نجحت في إعادة بناء بنيتها التحتية وشبكة نقلها وطاقة تشغيلها باتت تمتلك أرضا صلبة لإعادة إطلاق مشروع صناعي حقيقي لا ينافس فقط بل يُصدّر ويوفّر العملة ويعيد التوازن إلى معادلة كانت مختلة لعقود.
الوقت الآن ليس للمجاملة بل للمواجهة. فمن لا يصنع يظل في مؤخرة الصف ومن ينتظر “الرضا الأمريكي” ليُنتج فلن ينتج إلا الوهم.










