إن الانزلاق وسط مشكلات الآخرين والإبحار فيها بشكل كامل قد يؤخر بلوغنا لخطواتنا نحن، قد يهمش دورنا في صقل أنفسنا زمنًا طويلًا بلا داعٍ ودونما سببٍ، يباعد بيننا وبين تحقيق أهدافنا، يبتعد بنا عنها عشرات ومئات وآلاف الخطوات، يستنزفنا بكل ما فينا بشكل قوي فج، يجعل من أنفسنا فريسة تخضع لحسابات عاطفة لم يعد لها قيمة في زمن كزمننا، يسوقنا القلب بها متحكمًا، يدفعنا لطريق لا تأتينا عبره إلا نوبات من التأنيب والحسرة والندم.
من اللطيف حقًا أن تتحرك فينا إنسانيتنا، فهي دليل وجود الحياة والروح فينا، ومن المفزع أن نستسلم للعاطفة فقط، حتى لو اضطررنا لتفضيل الغير على أنفسنا.
الحسابات مطلوبة وبدقة، والتفكير بالمنطق لا بد له أن يحكمنا، إعمال العقل في كل مرة سيضمن لنا حمايتنا، سيحافظ علينا من وقع أثر صدمة كقصة تجلت حبكتها الدرامية علينا، فنالت منا ما نالت، وفعلت بنا ما فعلت، لم تعد العلاقات بين البشر تخضع لمعيار الإنسانية وحدها، فنحن نحيا في زمن اختلطت فيه الرؤى وتباينت فيه المصالح ووجهات النظر.
علينا ألا نتآكل من أجل أناس صنعتهم مصالحهم وألقت بهم علينا حكاياتهم المتكررة، كفانا تعثرًا، كفانا سقوطًا وسط أحداث لا تخصنا وأمور لا تهمنا، تدور بعبثيتها في وادٍ غير وادينا.
علينا أن ننتبه وأن نحذر من الزج بأنفسنا فيما لا يعنينا، ليست كلماتي تلك دعوة للأنانية بقدر ما هي لحظة إفاقة حالية بعد عمر مر بي ليس بالقليل، لمحة من نور صدق مست قلبًا جعلته يسلم قضيته لعقل ظل أسيرًا لعاطفة لا تؤمن عواقبها، تفرقنا ثم تفنينا، تحولنا إلى ذكرى لا قيمة لها ولا أثر.
لا شك أن بعض الأحداث التي تمر بنا تشكلنا كما تريد وكما تبتغي، تصيغنا فلسفتها بمفردات جديدة، والقدر قد يلهمنا لحقيقتنا، ينير بصيرتنا بمواقف عدة ظنناها قد طُمست فأصبحت غير واضحة.
علينا ألا نسلم بحال صنعته أيدي كل صناع الشر في دنيانا للنيل منا، قدمته وهيأته متعمدة بذلك استنزاف عواطفنا، علينا ألا نتآكل من أجل من يحفرون بأيديهم مصائد لنا، وهم يظنون وهمًا بأن ألاعيبهم سوف تنطلي وتمر علينا مرور الكرام.
علينا أن نحذر من شر هذا التعلق اللانهائي، نتجنب المكوث في سجن تشكلت قضبانه من حكايات وهمية، علينا أن نصم آذاننا عن كل قصة تتلى، فليس كل ما يروى علينا حقيقة، هناك حكايات كثيرة سطرتها أيادٍ سعت لحصارنا، صاغتها عقول خبيثة عمدت إلى سجننا داخل رمادية قصصها التي تعج بظلمة مطلقة، باتت تخلو شوارعنا من أي شعاع قادم يرشدنا، تلقفت من دروبنا كل ومضة من نور واختزنتها كي لا تمنحنا خطة مرور آمنة، لمرور سفينتنا بسلام والتخلص من قيد فيضان باطل لا أول له ولا آخر.
فلندع حسابات القلب الآن، نتركها فنحن في زمن الفتن، ولنترك للعقل فرصته الكاملة التي طالما حرمناه إياها في الحكم على قضايانا بمفرده، فكم أتانا القلب بعدد من نتائج عكسية، بأحكام لم نكن لنتوقعها أو ننتظرها، لقد خسرنا كثيرًا حين تنازلنا أمام اجتياح عاطفة وهوى تحكم بأنفسنا زمنًا طويلًا، كان علينا أن نعيد حساباتنا فيه، نعيد النظر في كل وجهات نظرنا السابقة، ندرسها ونقنن مواقفنا، فليس كل ما يروى علينا حقيقة، تستحق الوقوف أمامها، وليست كل المواقف التي مرت بنا كانت تنطوي على صدق مغلف بحقيقة ساطعة.
حسن النية كمصطلح يعني النقاء وتوقع الخير من الغير، إنه يشبه رداءً فضفاضًا تكتسي به الأنفس الطيبة تضمن به ومعه أمنها وسلامها، نائية عن كل سوء ظن يهددها ويقدم لها في النهاية فاتورة حسابه الثقيلة، وحين تخيب ظنوننا نندم، نود أن لو تخلصنا من الرواية بكل شخوصها، منكرين الحكاية بكل ما ورد بها من نسج لخيال حسبناه واقعًا حقيقيًا صريحًا، رغبنا في إعادة صياغة تفكيرنا بعيدًا عن الاستسلام لعاطفة واهية، كم حذرنا منها عقل مدرك لكننا تغافلنا عن تحذيراته تلك، ومضينا نصارع دنيانا، نتلقى وعدنا الذي كُتب علينا.










